حفل القرآن الكريم بآيات تحث على العناية بالفقراء واليتامى والمساكين والمستضعفين والمحتاجين والمحرومين وقليلي الحيلة، وإيوائهم وإطعامهم والعطف عليهم والرأفة بهم والإحسان إليهم، ولقد أشار إلى ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها على سبيل المثال: "وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"، كما أن ربنا تبارك وتعالى حثنا على الإنفاق والبذل في سبيل الصدقة، فنقرأ في سورة الطلاق: "لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا". كذلك الحث على الإنفاق: "وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ"، كذلك الإحساس بقيمة الإنفاق الدؤوب سرّاً وجهراً: "الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، وفي سبيل الإيثار على النفس قوله تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا"، وهذه منَّة من الله لعباده في تنمية المال بالصدقة في قوله تعالى: "مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ". وفي هدي نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ما يجسد المعاني السامية وينير المسالك الرحبة التي وردت في القرآن الكريم. بعد استعراض هذه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يتبدَّى لنا جليًّاً فضل الإنفاق والبذل في سبيل الصدقات ومظان الخير وأثر ذلك في مضاعفة الأجر والثواب من عند الله عز وجل، بيْد أنه مع كل هذا الحث على البذل والإنفاق والإيمان بجدواه ومآثره وعظم أجره وثوابه إلا أننا في زمننا هذا لم نعد نُميِّز بين المستحق للصدقة وغير المستحق لها، نظراً لانتشار ظاهرة التسول والاستجداء واستفحالها في مجتمعنا وبين ظهرانينا، وبخاصة أن نسبة كبيرة من المتسولين لا ينتمون لهذا البلد، بل هم عناصر غريبة من الوافدين من خارج المملكة، يشكلون فئات ومجموعات منظمة قوامها الأطفال الأحداث والمعوَّقون والنساء، تعمل على استجداء المواطنين للمال، نظرًا لما جبل عليه أبناء هذه البلاد من حب للصدقات وميل للبذل والعطاء والكرم والسخاء، وبخاصة في المواسم الدينية كشهر رمضان والحج والعمرة، ولقد عُرضت هذه القضية مرات عديدة في مجلس الشورى لاستقصاء بواعثها وتلمُّس أسبابها، سعيًا لمعرفتها وبلورتها واقتراح الحلول المناسبة التي يُؤمل أن تكون ناجعة لعلاجها واجتثاثها والقضاء عليها، لأن تفاقمها وانتشارها يبدو أنه فاق وتجاوز كل الإجراءات المعمول بها لدى الجهات المعنية وتبدَّى قصورها وانتفاء فاعليتها، مما آل بها لأن تكون مجرد توصيات ورؤى معينة لعلاج هذه الظاهرة دونما يكون لها أثر أو جدوى على أرضية الواقع الملموس والمأمول فيه. وفي خطوة قوية وثابتة وحاسمة للتصدي لظاهرة التسول ودرء انتشارها وتفاقمها واتساع رقعتها، أصدر مجلس الوزراء الموقر "نظام مكافحة التسول"، والذي أسند أمر متابعته وتنفيذه لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وعلى ضوء توجهات هذا النظام وحيثيات ونصوص بنوده سيكون بلا شك بمثابة علاج ناجع وصمام أمان ضد تنامي هذه الظاهرة وتفشيها بشكل يسيء للوطن ومواطنيه، ومن أبرز بنود هذا النظام فيما يختص بالتحديد المتسولين من المواطنين، فقد دعا إلى دراسة الحالات الاجتماعية والصحية والنفسية والاقتصادية لهم، وتقصِّي أسبابها، وتقديم الخدمات بحسب احتياج كل حالة، وإرشادهم للاستفادة من الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية والجمعيات الخيرية، كما دعا إلى إنشاء قاعدة بيانات للمتسولين بالاشتراك مع وزارة الداخلية، وتسجيل كل حالة تسول يتم القبض عليها، وكذلك كل حالة تقدم لها الوزارة الخدمات المنصوص عليها في النظام، إلى جانب الاهتمام بنشر الوعي بمخاطر التسول النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وكذلك إعداد الدراسات والبحوث وعقد الندوات والمؤتمرات ذات العلاقة بمكافحة التسول، كما بيَّن العقوبات والغرامات التي تطال من يمتهن التسول مع تطبيق إجراءات أشدّ بمضاعفة العقوبة في حال العودة لممارسته، أما بالنسبة للمتسولين الأجانب فقد جاء النظام صريحًا ومحدَّدًا وصارمًا بمعاقبة كل من امتهن التسول أو شجع عليه أو سانده أو سعى لتشكيل وإيواء وإدارة تجمعات منظمة لامتهان وممارسة التسول بعقوبات تشمل السجن والغرامات والإبعاد عن المملكة. لقد جاء هذا النظام لكي يسهم بلا شك في مكافحة هذه الظاهرة المقيتة والقضاء عليها، ومتابعة حالات ممارسيها، وفرض العقوبات على من يقف وراءها ويبثها ويستفيد منها، كما يحذر المواطنين المانحين لأولئك المتسولين من إعطائهم أيَّة صدقات، وذلك بوضع ضوابط محددة تُعرِّف القنوات السليمة لتك الصدقات لتصل إلى مستحقيها الحقيقيين من غير أولئك المرتزقة المحتالين، ومما يعتبر داعمًا لهذا النظام ومكمِّلًا له فقد تم إنشاء "منصة إحسان" كمنصة وطنية للعمل الخيري والتي تأسست بالأمر السامي الكريم، تسعى إلى تعظيم أثر الخدمات الخيرية، وتعزيز قيم العمل الإنساني، وتفعيل دوْر المسؤولية المجتمعية في القطاع الخاص، والمساهمة في رفع مستوى الموثوقية والشفافية للعمل الخيري والإنساني والتنموي، كما تساعد المنصّة الجهات والهيئات غير الربحية المختلفة على تنمية مواردها المالية، وتسهّل عملية التبرع للباحثين عن أوجه الخير والإحسان واطلاعهم على مختلف مجالات التبرع المتاحة داخل وخارج المملكة في آن واحد. لقد أضحى التسول إحدى الظواهر السلبية المؤسفة التي تعاني منها المملكة بما له من تبعات وآثار خطرة على الفرد والمجتمع على حد سواء، باتخاذه مصدرًا للتكسب غير المشروع، واستغلال الأطفال والأحداث والنساء والمرتزقة من المعوَّقين والمحتالين من أجل ذلك. ومهما كانت أساليب التبرير والتغرير والمظاهر والتوسل لهؤلاء المتسولين، فيجب ألا ينظر إليها بعين الرأفة والعطف والشفقة، فدولتنا -أدامها الله ذخرًا للإسلام والمسلمين- لم تألُ جهدًا ولم تدخر وسعًا بالإنفاق على من يستحق وفق إجراءات نظامية سليمة، مثل: منصة إحسان، والجمعيات الخيرية التي من شأنها أن تقوم على مساعدة المحتاج حيثما كان وأينما كان. وأخيرًا، لقد عرفنا من حكومتنا الرشيدة -وفقها الله- جهدها الحثيث وسعيها الدؤوب في إصدار الأنظمة والقوانين التي من شأنها أن تحافظ على سلامة الوطن ورقيه ومكانته وسمعته، وترعى مسيراته التنموية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، حتى ينعم المواطن ومن يشاركه المُقام على أرضه بحياة كريمة وادعة، وعيش هانئ رغيد. * جامعة الملك سعود