من وجود الإنسان على هذه البسيطة وهو كائن متطور على مستوى تفكيره، ومعيشته ويمر هذا التطور على عصوره المختلفة، وكل مرحلة لها ثقافتها بناء على ما تفرزه عقولها، وتمتد الثقافات حتى يأتي المجددون وينقلونها لمرحلة أكثر تطورًا، وأكثر ما يقف حائلًا دون استجابة المجتمعات للتغيير هو ما يسمى بالعقل الجمعي أو ما يعرف بالأثر الاجتماعي، والعقل الجمعي تبعية عمياء لرأي الجماعة يتعطل فيه عقل الفرد عن التفكير، وينخرط في سلوك الجماعة يقول الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون عن العقل الجمعي: "هو الاستجابة غير العقلانية لما تُردده الجماعة" وبما أن الفرد بطبعه اجتماعي فلا ملاذ له عن مجتمعه الذي يشكل عقلًا جمعيًا من خلال ما صنعته عقول كل مرحلة من قيم وعادات سواء كانت هذه العقول على الطريق الصحيح أو الخاطئ. وللعقل الجمعي مكونات كبيرة، أو صغيرة كثقافات الأمم، والدول، والأقاليم والقبائل، والأديان، والأحزاب، والطوائف، والمذاهب إلى أن تنتهي بالأسرة ويندرج تأثر المجتمعات بالعقل الجمعي في مختلف أشكال الحياة، ويتم ذلك عن طريق البرمجة اللغوية الدائمة والرغبة في المحاكاة، والمجاراة، والتأثر بالمورث الشعبي دون إعمال العقل، ودون تدبر الأمر وتصبح مع الزمن العادات أشبه بالمسلمات، ويكتمل العقل الجمعي وتقوى قبضته مع انتشار الجهل وقلة العلم وليس كل المنخرطين في سلوك الجماعة غير متعلمين وغير واعين لكنهم يضعفون أمام الرغبة في البحث عن الأمان، والحب، والحماية، والقوة الوهمية والمصالح الشخصية وفي النهاية يصبحون جزءًا من القطيع، وتكمن خطورة العقل الجمعي في استغلال المؤدلجين، والمتنفعين، والعنصريين لهذا الحشد المسلوب التفكير لتنفيذ مصالحهم من خلال اللعب على وتر العاطفة في غفوة من العقل، وهذا نشاهده عندما تبدو مصالح هؤلاء المتنفعين، ومن أسوأ ما يفرزه العقل الجمعي الجهل والعنصرية، وظهور ما يعرف بسلوك القطيع ولذلك خاطب الله تعالى - القلة وعقل الفرد لأنه أكثر قبولًا للتغيير وفي فسحة من التفكير(قل إِنما أَعِظُكُم بواحدَة أَن تَقُومُوا لله مَثْنى وفُرَادَى ثُمَّ تَتَفكَّرُوا) والإنسان يُولد بعقل حر ومع الزمن يكبله مجتمعه بأغلال أعرافه لا يطلق سراحه إلا العلم المعتمد على البحث، والتجربة، والتأمل ومن خلالهم تتشكل لديه قناعاته المبنية على الحقيقة، والواقع دون الالتفات لموروث السابقين وسيكون لدينا مجتمع يتكون من عقول نيرة وعميقة في التفكير يكمل بعضها بعضًا لا نسخاً متكررة يهدم بعضها بعضًا. وعلى قادة الفكر المسؤولية أكبر فهم المناطون بالتغيير؛ ولا بد أن يروا صورة مجتمعهم واضحة دون شوائب العادات، وميل الأهواء، والرغبات التي تصدهم عن الحقيقة، وتغيير مجتمعاتهم إلى الأفضل.