الأسهم الأمريكية تغلق على انخفاض    الجنيه الإسترليني ينخفض مقابل الدولار الأمريكي ويرتفع مقابل اليورو    نيوم يتغلّب على ضمك بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    الأمير عبدالعزيز بن سعد يزور مقر الفعاليات المصاحبة لرالي باها حائل الدولي 2026    وزارة الداخلية تشارك في المعرض الأمني المصاحب للتمرين التعبوي "أمن الخليج العربي 4" بدولة قطر    فليك : برشلونة سيقاتل للفوز بكل الألقاب    النصر يتجاوز الخلود بثلاثية    إمام عاشور يعتذر للأهلي المصري وجماهيره    المملكة توزّع (200) حقيبة إيوائية على الأسر النازحة في حلب    القبض على شخص في عسير لترويجه (7) كجم "قات"    النصر يتغلب على الخلود بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    بحضور محمد العبار.. "جوائز دبي مول العالمية للموضة" تتوج أيقونات العالم ورواد الإبداع    عندما تأتأ الثبيتي وهو يتهجى    النصر يستغل تعثرات الهلال بثلاثية أمام الخلود    الذهب يخسر 12% والفضة تهوي 30%    جدة تحتضن المؤتمر السعودي الأول لأمراض النساء والخصوبة (GFS)    قائد القوات الجوية السعودية يزور جمهورية كوريا    بالصور مدير مستشفى بيش العام يرعى الحفل الختامي لعام 2025م ويكرّم المتميزين في الجودة وتجربة المريض    منسوبو مستشفى السليل يقيمون حفل تكريم للمدير السابق آل شريدة    المملكة ترحب باتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و«قسد»    الشيخ بندر بليلة: علاج القلوب في كتاب الله وسنة رسوله    الشيخ عبدالباري الثبيتي: الوظيفة أمانة وعبادة بالإتقان والصدق    رد الاتحاد على رغبة انتر ميلان في ضم موسى ديابي    من ذاكرة جازان: د. علي عواجي العريشي    قسم الإعلام بجامعة الملك سعود يشارك في المنتدى السعودي للإعلام ومعرض فومكس 2026    افتتاح بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026        جامعة حائل تقدم منظومة معرفية ومجتمعية متكاملة        وصيفة العروس تقليد غربي يقتحم أعراسنا    وزير الدفاع يلتقي وزيري الخارجية والحرب لدى الولايات المتحدة الأمريكية والمبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط    نائب أمير جازان يلتقي مشايخ وأهالي محافظة العيدابي    نائب أمير جازان يشهد حفل أهالي العيدابي بمناسبة إطلاق "معرض عسل جازان 2026"    وكيل وزارة الداخلية يرأس اجتماع وكلاء إمارات المناطق ال(60)    أضخم عملية تطهير عرقي في الضفة    الأمن العام يتيح خدمات البنادق الهوائية إلكترونيًا عبر «أبشر»    الراكة.. مدينة تحت الرمل    هدية الشتاء لجسمك    إنطلاق الدورة العلمية الثانية لأئمة الحرمين الشريفين تزامنًا مع الخطة التشغيلية لشهر رمضان ١٤٤٧ه    نائب أمير تبوك يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    «التعليم» تمنع منسوبيها من استخدام صفاتهم الوظيفية في المنصات الرقمية وتُلغي مسمّى «المتحدث الرسمي» في إدارات التعليم    "هداية" تحتفي بإنجازاتها لعام 2025 وتوقّع شراكات مجتمعية    جمعية "نبأ" تُكرم "73" حافظة للقرآن الكريم خلال عام 2025 في خميس مشيط    وزير البيئة الأوزبكي يزور المركز الوطني للأرصاد ويطّلع على تجارب المملكة في مجالات الأرصاد    "تعليم جازان" يحصد 22 جائزة في معرض إبداع للعلوم والهندسة    الوعي والإدراك    نفتقد قلم الإبينفرين    تكريم الفائزين بجائزة التميز العقاري    زيلينسكي يبدي استعداده للقاء بوتين.. الأراضي وزابوروجيا تعرقلان مسار السلام    لا تزال قيد الدراسة.. 3 خيارات للجيش الإسرائيلي لإخضاع حماس    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    بحثا مستقبل القوات الروسية بسوريا.. بوتين للشرع: وحدة سوريا أولوية ومستعدون لدعم دمشق    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نايف.. أمير الأمن والحكمة والاعتدال

(وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) هذا هو منهج الدين القويم الذي ندرك فيه أن كل شيء فان إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام وليس لنا إلا التجلد والصبر على وفاة فقيد الأمة الإسلامية الأمير نايف بن عبدالعزيز رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته و»إنا لله وإنا إليه راجعون» وأن نكثر من الدعاء له بالرحمة والمغفرة.
وقد استجاب الله دعاءه إذ كان لديه إيمان بالقضاء وبالقدر وأن الموت حق وأنه لا تدري نفس بأي أرض تموت، حيث كان يدعو ربه ألا يرده إلى أرذل العمر فمات ميتة شامخة وقد استقبل بعض من زاره وهاتفه الكثيرون؛ لأنه عرف عنه التواصل مع الناس وكان يردد أنه عائد عما قريب وأن صحته بخير.. فالحمد لله على قضائه وخلفنا في سمو ولي العهد الأمير سلمان ووزير الداخلية الأمير أحمد خيرًا والتوفيق والسداد تحت توجيهات خادم الحرمين الشريفين الذي سدد الله خطاه باختياره وتعيينه للأميرين الجليلين فكان ذلك محل رضى وتقدير الشعب السعودي بأكمله.
وقد يكون هناك بعض المواقف التي أذكرها عن سموه من خلال عملي في وزارة الداخلية لإلقاء الضوء على بعض جوانبه الإنسانية.. ذلك أن ذكر مناقب الأمير تحتاج إلى مجلدات كثيرة ولكن على مبدأ: اذكروا محاسن موتاكم أختصر ذكر بعض المواقف.
البداية
بدأت العمل مع سموه في بدية سنة 1419ه وذلك ضمن منهج الأمير الإداري الحكيم في إحسان الظن بالكفاءات الوطنية واستقطابها في وزارة الداخلية والتي تأخذ بمنهجين أحدهما: تدريب وتأهيل منسوبيها والمنهج الآخر: استقطاب كفاءات من خارجها ومن يستعرض أسماء مسؤولي الداخلية قديمًا وحديثًا يجد أنهم مزيج من ذلك فكان شرفًا كبيرًا أن أنتقل من وزارة التربية إلى وزارة الداخلية رغم عدم معرفتي السابقة بالأمير نايف ولكن توسمه خيرًا بي أو بغيري جعله يرى أنه ربما تستفيد وزارة الداخلية مني وبالنسبة لي كان حلما كبيرا أن أتشرف بالعمل والتتلمذ تحت مظلته وفي مدرسته وهذا يعني أن سموه رحمه الله يثق في أبناء شعبه ويمنحهم الفرصة للعمل والعطاء ولذا تجد وزارة الداخلية فيها تمثيل من كافة مناطق المملكة ومن يعمل فيها يحدده العطاء والقدرة وتم ولله الحمد الانتقال للداخلية ووجدت من سموه التقدير والتشجيع والتوجيه والدعم بمساندة ودعم من سمو وزير الداخليه الأمير أحمد بن عبدالعزيز وسمو مساعده للشؤون الأمنية الأمير محمد بن نايف فكانت فترة خصبة مفيدة حافلة بالعمل الدؤوب والفائدة الإدارية والجهد المفيد .
أول اتصال
بدأت علاقتي بالأمير نايف من خلال اتصالي بسموه دون معرفة سابقة، وتقبله لمقترحات من مجموعة من الأساتذة في كلية الملك خالد العسكرية 1411ه، ثم بعدها بعدة سنوات كنت أعد وأقدم برنامج، دعوة للحوار التلفزيوني عام 1416ه،، وبعد أن تم تسجيل الحلقات التي كانت عن السعودة مع الكثير من الصراحة، حيث تكلم الحضور بحرية وبصراحة مع وجود عدد من رجال الأعمال ومسؤولين واقتصاديين وطلاب وشبان باحثين عن عمل، منهم: فهد الراجحي، الدكتور حسين منصور، مشاري المعمر، عبد الله المعلمي، ومحمد القنيبط، وغيرهم، ولكن المسؤولين في التلفزيون رفضوا مثل هذه الحلقات، وتبين أنهم متهيبون من فكرة الحوار مع الجمهور، فعرضت الأمر على الدكتور حسين منصور أمين عام مجلس القوى العاملة، لعرض الأمر على الأمير نايف الذي يتولى مسؤولية رئيس مجلس القوى العاملة ورئيس المجلس الأعلى للإعلام، وفعلا عرض د. حسين على الأمير نايف فكرة البرنامج الذي يناقش قضايا السعودة واعتذار التلفزيون عن بثه، وأتذكر أن الدكتور حسين أطلعني على شرح سموه، حيث وجه ببث الحلقات مادام النقاش موضوعيًا يخدم الصالح العام،، وفعلا تم بث الحلقات ووجدت صدى طيبا في تلك الأيام -ولله الحمد-، وكان البرنامج باسم دعوة للحوار وأول استخدام -آنذاك- لمفردة الحوار وبتوجيه ودعم من الأمير نايف.
ومن خلال السنوات التي عملت فيها مع سموه، أتذكر عندما كان سموه يلتقي في أيام المهنة مع الأكاديميين والطلبة في الجامعات كان شديد الحرص على أن يكون الحوار شفافا وواضحا بدون أوراق، وكان يشجع الحضور طلبة وأساتذة على الاسئلة المباشرة وبكل وضوح، ويبلغ المسؤولين عن التنظيم بأن يكون الحديث شفافا بدون أن يفرز أحد الأسئلة، وأن توضع مكبرات الصوت، ويتاح الحديث لمن يرغب أن يسأل دون ترتيب مسبق.
وأذكر أن احد المسؤولين في إحدى الجهات الحكومية،رفض ذلك وقال: «لا بد أن نرتب الأمر دون تركه للناس بهذه الطريقة»، فرجعت لسموه وأخبرته، فقال: ارجع وبلغه بأن هذه رغبتي، وأريد أن يسأل الجميع الأسئلة بدون أي ترتيب أو تنسيق مسبق. أريد الشفافية والصراحة، ولكن للأسف أصر المسؤول أن تكون الأسئلة مرتبة وهو يختارها، ورجعت مرة أخرى وأخبرت سمو الأمير، وقلت له إنه لا يريد أن يسبب لكم إحراجا؛ لأن العدد كبير، وقال الأمير: أنا لا يوجد لدي أي تحفظ من أي مواطن سعودي، وأن المجال مفتوح لكل من حضر أن يسأل ويحاور، وأن يكون الحوار واضحا وشفافا وتلقائيا، وطلب مني الأمير إبلاغ هذا المسؤول بإلغاء الزيارة والحوار إذ لم تتم بالشكل الذي يريده الأمير، وبالفعل كان الحوار شفافا، وذكر الأمير في بداية الحديث أنه يريد أن يكون الحوار واضحا، وإذا كان هناك شخص يريد أن يسأل فليسأل بدون حرج، وكان يشجع الناس على الكلام، ويتقبل الحدة في الطرح والحماس والانفعال بأبوة وصبر وحلم وبطيبة ونبل.
العلاقات مع الدول
أتذكر -أيضا- من المواقف الجميلة والرائعة لسمو الأمير نايف أن أحد رجال الأعمال أقام لقاء بحضور 300 شخص تقريبا، وكان من ضمن الأسئلة سؤال من أحد الحضور، حيث قال: يا سمو الأمير إلى متى سيظل موقفك فيما يتعلق بالعلاقات مع تايلند، لماذا لا تعود العلاقات من جديد، خصوصا أن الموضوع قديم (ويخص قتل مجموعة من السعوديين في تايلند)، وأن الموضوع ظل مفتوحا وتعاقب عليه حكومات تايلندية كثيرة، ولم يحل هذا الإشكال، ولم يعرف من القاتل لهؤلاء السعوديين، ولا بد من إنهاء الأمر، وأن نراعي مصالحنا ونتعاون مع تايلند؛ بحكم أنها دولة مهمة في آسيا.
تأثر الأمير بالسؤال، ونظر نظرة فيها من الغضب الكثير، والحضور ينتظرون الإجابة، وقال له: للأسف، وللأسف، وللأسف أنك سعودي وتقول هذا الكلام، وأضاف بلغة حازمة: أنت لم تفكر في قطرات الدم البريئة التي نزفت من هؤلاء الشبان السعوديين الذين كلفوا من وطنهم بمهمات وطنية ودبلوماسية، هؤلاء الذين قتلوا غدرًا وخيانة لم تفكر في عوائلهم وزوجاتهم وأمهاتهم وأسرهم. أنت تريد التجارة وتريد الربح والملايين، وهذه الملايين التي قد تأتي من إقامة علاقة اقتصادية مع دولة مثل تايلند على حساب قطرة دم نزفت من سعودي، أنا لا أريدها، ولا أريد أي منطق تجاري أو اقتصادي على حساب هذا الوطن.
طبعًا، القاعة ضجت بالتصفيق، وهذا يدل على وطنية الحضور وتأثرهم من كلام سموه، وهذا مثال من الأمثلة الكبيرة التي تدل على صلابة سموه في صالح حقوق المواطنين السعوديين. كما أتذكر في بداية الأحداث كانت هناك حالات قبض على مواطنين سعوديين في الخارج، حيث تم إيقاف بعض الطلاب والسياح السعوديين باستعجال وبتهور وتم سجنهم، فكان الأمير حريصًا على أوضاعهم ومتابعة الإفراج عنهم، ومنهم المحتجزون في جوانتانامو، ولهذا تم افتتاح مكتب في العلاقات والتوجيه، وكان سموه حريصًا بالدرجة الأولى على هؤلاء الذين تم القبض عليهم في أمريكا أو في باكستان أو في الشيشان أن يعودوا إلى وطنهم، إضافة إلى أن تتم رعاية أسرهم وزوجاتهم إذا كانوا متزوجين ووالديهم، وصرف مخصصات شهرية لأسرهم ومن يعولون، وتفقد أحوالهم، وتسديد ما عليهم من ديون، وجرى تكليف العلاقات والتوجيه بمتابعة من يحتاج إلى قبول في جامعة أو علاج في مستشفى أو أي إحتياجات مختلفة لمن يعولون، وكل شاب تم فتح ملف له وتوبعت أحواله وأموره، والتقى سموه عدة مرات بأولياء الأمور، وظل يتابع توجيهات القيادة حتى تم الإفراج عن معظمهم.
وكان سموه على اطلاع بكل التفاصيل الدقيقة، بالإضافة إلى متابعة من سمو وزير الداخلية الأمير أحمد بن عبدالعزيز (نائب وزير الداخلية آنذاك)، ومن سمو مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية الأمير محمد بن نايف. فهذا الهم الكبير في متابعة شؤون السعوديين الذين منهم من تضرر، ومنهم من وقع في خطأ، وبعضهم ذهب في مهمات خيرية وتم الترصد له، كان سمو الأمير حريصًا على عودتهم إلى وطنهم.
وكان الأمير يجتمع مع أهاليهم، ويتلمس احتياجاتهم. وأتذكر أن إحدى الأسر تورط ابن لها في خطف الطائرة السعودية للعراق، فصرح سموه في تلك الفترة، وأكد على حقيقة واحدة أن هذا الشخص الذي أخطأ ليس لأسرته أو قبيلته أي ذنب، وقد استقبل سموه والد هذا الشاب وإخوانه، وذكر سموه لهم أن من أخطأ فهذا على نفسه وأنتم أبناؤنا ولكم ما عليكم وخطؤه عليه، وهذا يؤكد أن آباء وأمهات من تورطوا في قضايا الإرهاب يعاملون معاملة محترمة ويقدرون، حتى الشباب الذين تم التحفظ عليهم يعاملون معاملة طيبة، وتتم رعايتهم والاهتمام بهم. وكانت لجنة المناصحة تناقشهم وتوضح لهم الصورة، وكثير منهم -ولله الحمد- تغير تفكيره، وكانت توجيهات سموه في المناصحة واضحة في أن الفكر لا يقاوم إلا بفكر، حيث تم استقطاب العلماء الجادين لمناصحتهم وإرشادهم.
ومن الأمور المعروفة عن سمو الأمير نايف اهتمامه بالمواطنين والمراجعين، وكنت أتابع ذلك في المجلس العام لسموه، حيث إن سموه معروف بكرمه في علاج من يحتاج للعلاج ومساعدتهم ماديًا ومعنويًا، وكان يشجع على إتمام الدراسة، ومنهم من ذهب وتعلم ودرس وحصل على شهادات كثيرة، فكان حريصًا على التعليم في جميع أشكاله وجميع نظمه، ويحرص على التعليم الجيد في جامعات متميزة وفي التخصصات المطلوبة.
المواقف مع الشهداء
مواقف كثيرة للأمير مع أسر شهداء الواجب، ومنها أنه كان رحمه الله يريد زيارة أسر شهداء الواجب وتقديم واجب العزاء لهم، فكانت أسرة العميد عبد الرحمن الصالح (رحمه الله)، وأسرة إبراهيم المفيريج (رحمه الله)، وأسرة الطفلة وجدان تقبلها الله التي قتلت في تفجيرات المرور، وأسرة الرائد إبراهيم الدوسري رحمه الله، وعندما تم البدء في ترتيب الزيارة كانت المنازل متباعدة، فإحدى الأسر كانت في أقصى الشرق في حي المصيف، والأخرى في أقصى الشمال في حي حطين، وأسرة وجدان كانت في حي العريجاء، وأسرة أخرى في حي العزيزية في جنوب الرياض، فقلت لسمو الأمير بأن الأماكن متباعدة وأعتقد أن الوقت ضيق، فقال: لا بد لي من زيارة هذه الأسر، لأن هؤلاء الأبطال قدموا لدينهم ولوطنهم الكثير، وهي رسالة للذين يريدون الإساءة لهذا الوطن، وأن من واجبنا أن نشارك في عزائهم. وبدأنا نرتب من وقت العصر وكان وقت سموه مزدحمًا جدا في الوزارة ولديه اجتماعات ولجان، فخرج موكب سموه من الوزارة بعد العصر إلى أسرة العميد الصالح وقابل والده وإخوانه وقدم التعازي.
ثم توجهنا إلى أقصى الشمال وقدم سموه التعازي لأسرة المفيريج، وكان جد الشهيد كبيرًا في السن وتأثر بزيارة الأمير وبكى، وهي صورة أتذكرها حيث صورها المصور التلفزيوني وأصبحت تتردد كثيرًا في البرامج والأحداث عند ذكر الشهداء وقد أقيم جامع كبير على نفقة سموه باسم المرحوم إبراهيم المفيريج بالقرب من مقر سكنه.
ثم انتقلنا إلى العريجاء لأسرة وجدان ونزل ودخل على أسرة الطفلة وجلس مع والدها وإخوانها واحتضن بنت أختهم الصغيرة حديثة الولادة وهذه الصورة نشرت في الصحف والمجلات، وكان الأمير حريصًا على زيارة أسرة وجدان رغم صعوبة ذلك وأثرت فيهم الزيارة كثيرًا. وبعدها انتقل إلى منزل الرائد إبراهيم الدوسري في أقصى جنوب الرياض وقابل والده وإخوانه واحتضن أولاده وكان وقتها الساعة 11 ليلا.
فهذه مواقف إنسانية عظيمة تدل على إنسانية هذا الرجل العظيم وحرصه على مواطنيه، حيث ظل لساعات طويلة يتنقل بين الأسر ليعزيهم ويشاركهم أحزانهم ويقدر تضحيات أبنائهم، وكان لهذا أثر كبير على هذه الأسر. وكل من قرأ سيرة الأمير نايف في الأحداث التي كانت في الحج أو أحداث العليا أو غيرها، تجده واضحًا في موضوع الإرهاب وهو من أوائل الناس الذين كتبوا وتحدثوا في موضوع الأمن الفكري، فأمن الفكر لا يواجه إلا بفكر، وكان يحذر من اختطاف العقول. وعبر منظومة وزراء الداخلية العرب تم إصدار عدة اتفاقيات كانت تخدم المواطن العربي، ولهذا لم يكن غريبًا أن يكون مجلس وزراء الداخلية العرب هو أفضل مجلس عربي في التعاون الأمني بين الدول العربية؛ لأن وعي الأمير نايف وحرصه على التعاون الأمني العربي كان وراء ما حققه مجلس وزراء الداخلية العرب من نجاح وتقدم وازدهار؛ لأنَّ سموه الرئيس الفخري لمجلس وزراء الداخلية العرب وقائد منظومته.
السياسة الإعلامية
ترأس الأمير نايف المجلس الأعلى للإعلام لعدة سنوات وشهد هذا المجلس نقلة نوعية وتميزًا في الإعلام السعودي ونهضته، وأصدر المجلس وثيقة السياسة الإعلامية التي أشرف سمو الأمير نايف على إصدارها، وعندما يتحدث سموه في المؤتمرات الإعلامية والصحافية كان يتحدث بوضوح وسلاسة وحزم، وكان حقيقة يجيب على الأسئلة إجابات واضحة ومقنعة ويكون حديثه من القلب إلى القلب، بالإضافة إلى صبره على الإعلاميين الذين يتجمهرون بشكل عاجل وبحماس فكان لا يمنع أي صحفي ويجيب بصبر وبرحابة صدر.
وكان يحرص على معرفة الحقيقة وهي دائمًا التي تبقى وتساعد المسؤول للوصول إلى العدل، والعدل هو الهدف الأساسي وسمو الأمير نايف نادرًا ما يعنف أو يتكلم بشراسة فكان إذا أراد أن يوجه يتم ذلك بطريقة مهذبة كلها حلم وصبر، لذلك الإنسان يتحاشى عنده أن يخطئ ومع ذلك كان سموه دائمًا يتعامل بهدوء وكان يحرص على أن يباشر الأمور بنفسه ويقابل الناس ببشاشة ويستمع إلى آرائهم فهو قارئ من الدرجة الأولى ولا يستعجل في الحكم يقرأ بدقة وحزم وبصبر.
وكان يجيب على أسئلة الصحافيين في المؤتمرات أو بعد المناسبات بكل عمق، وأحيانا تأتي أسئلة مفاجئة ومع ذلك تكون إجابته مقنعة وقوية، ولهذا كنت أسعد في المناسبات عندما يرتجل سموه الكلمات ولا أحبذ الكلمات المعدة لأنه يتحدث من القلب ورسالته للقلب.
في الواقع حكمة الأمير نايف وصبره وعدم استعجاله في أمور كثيرة هي التي أدت إلى محاربة الإرهاب الذي جاء من غلو وتطرف. وكان دائما يحث على الاعتدال وعندما يتحدث للتربويين والمعلمين كان يذكر بأهمية الوسطية وأن الإسلام هو دين الوسطية وأن المملكة قامت على الاعتدال وعلى العقيدة الصحيحة فكان يحذر من الغلو ومن التطرف ومن التشدد وهذه نراها في منهج سموه في تشجيع كل ماله علاقة بالدين الإسلامي المعتدل الصحيح مثل دعمه لكرسي الأمن الفكري في جامعة الملك سعود وكذلك كرسي الدراسات الوطنية في جامعة الإمام وغيرها من الكراسي العلمية داخل المملكة وخارجها وكذلك جائزة سموه للسنة النبوية وغير ذلك.
الجانب الإنساني
سمو الأمير نايف يتواصل مع الناس ويقبل دعواتهم في منازلهم ولهذا أحبه الجميع وهذه من الأشياء التي يعرف بها سموه ويستهويه بيت الشعر الجميل والأشياء المرهفة، التي تجعله يتعاطف مع الناس ويبحث عن قضاياهم وعن شؤونهم ويتلمس احتياجاتهم فهو كريم معهم ويهمه أمن ومواطن هذا البلد فمهما تحدثت عنه فهو رجل أعطاه الله محبة الناس، وتلك الهيبة العظيمة الكبيرة التي تجعل الناس عندما كانوا يرونه يحملون له كامل والتقدير والاحترام له؛ لأن هذا الرجل مواقفه عظيمة لهذا البلد وعطاءاته مقدرة والناس شهود الله في أرضه حيث الرضا عند صدور تعيينه وليًا للعهد وعشرات الآلاف من الذين توافدوا لمبايعته في الرياض وفي بقية مناطق المملكة.. ثم الحزن الشديد والحرص على حضور جنازته وذكر مناقبه -رحمه الله- بعد انتقاله إلى رحمة الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.