عند الفقد تشتعل الذكري! يا لهذا الإنسان كم هو أعجوبة! إنه معلّق بذكرياته مفتون بِها. قد يكون مكانًا يرتاده دائمًا، أو كل أسبوع، أو كل شهر، أو سنة. يمرّ عليه في الموعد، أو عندما يشتاق إليه، فترجع العواطف إلى مكامنها، ويفتُرُ الحنين، ويعود التوازن والهدوء، وتشتعل لذة العودة. أما إذا فقد المرء ذلك المكان فتقف الصورة متجمدة كما هي في ملف الذكريات. إنّها صورة في إطار معلقة على جدار القلب. تلك هي الأماكن عند الفقد، ولكن فقد الإنسان لا يشبه الصورة المتجمدة الباردة. ففقد الإنسان حياة متحركة في الوجدان، مثل “فيلم” أو شريط سينمائي. يكاد المرء لمس تلك الصور المتحركة بسرعة عشرات الصور في الثانية الواحدة. كان هنا. ذهبنا إلى المقهى. تناقشنا. تخالفنا. ضحكنا. تآمرنا على صديق. كتبنا. قرأنا. انتقدنا. شعرنا بالسعادة. شعرنا بالملل. احتجنا إلى الاستماع لبعضنا. احتجنا إلى سماع أغنية. احتجنا إلى الوحدة والوداع. هل هذه صور متحركة فقط؟ بالطبع لا. إنّها تضيف إلى نفسها جميع حواس الإنسان. تكاد تسمع الحديث الذي دار. تكاد تشم رائحة الأماكن، رائحة الناس، رائحة الزهور والجراك، رائحة المأكولات، ورائحة الورق والحبر. وفي الحارات القديمة تبرز الرواشين الخشبية. ترى النقوش. تتساءل أي فنان الذي حفرها؟ تمر بيدك لتلمس الخشب الذي تعاقب عليه الليل والنهار. تعاقبت عليه الريح الحارة في يوم “أزيب” فأيبسته. أو غمرته رطوبة البحر فبللته. تمضي يدك تتحسس الخشب الجاف المتشقق. تبرز “شرسة” شوكة منه لتنغمس في باطن راحتك. تسترجع يدك قرب عينك تحت المصباح لتخرجها. تعود إلى رشدك. ليست هذه حقيقة. لقد كان كل ذلك حياة كنت تعيشها في الذاكرة! عند المنعطف تكاد تسقط من سرعة عدوك. تمهل تمهل أيُّها الطفل. لن يذهب الرفاق. ما زال الوقت عصرًا. هناك متسع للعب “شوطين” كاملين. تصل إلى المكان ولكن لم يصل إلا ثلاثة. ما الذي أخّر الرفاق عن المجيء؟ اثنان ضد اثنين؟ ستكون مباراة “بايخة”. ننتظر ربما يأتون. ماذا فعلتَ اليوم في المدرسة؟ يا الله “شقي” كالعادة. “شوف.. شوف” العمدة قادم. لا تخف إنه يحب الأطفال “بس عينه حمرا.. كدا خلقة ربنا”.. “الأصحاب جوا”.. “باقي ربع ساعة للمغرب”.. “شوف بيعلّق الأتاريك”.. “ها.. فيكم في شوط واحد؟”.. يتصبب العرق. لا يكاد يلتقط أنفاسه. “أوووه قووول”. قووول المغربية بعشرة. كانت الحارات تلتصق ببعضها. من الصعب معرفة البيت الذي ولدتُ أهو في حارة المظلوم أم حارة اليمن. والدي -عليه رحمة الله- قال لي إنني ولدتُ في حارة اليمن.. في ذلك البيت. عندما كبرت أصبح أحد أصدقائي عمدة حارة اليمن. كنت حينها أسكن في أحد أحياء شمال جدة. عندما زرت الحارة قلت له: أنت عمدتي. قال: كيف وأنت تسكن في شمال جدة؟ قلت: لقد ولدتُ في ذلك البيت. قال: للأسف لست عمدتك. ذلك البيت على الحد الفاصل بين حارة اليمن وحارة المظلوم. أنت ولدت في حارة المظلوم. ما الفائدة من ذلك الرجوع إلى الطفولة؟ هل من المهم معرفة إن كان المولد في هذه الحارة أم تلك؟ لن أستطيع أن أجيب! لا.. لا.. لا.. سوف أتراجع. بل هو شيء في داخل العاطفة يدفعك إلى الأماكن القديمة. إلى الأصالة. إلى الجذور. إلى البراءة. نحن جميعًا نعشق العودة إلى البدايات البريئة وأماكنها التي يفوح منها عبق الماضي ورائحة الجذور. نعيش فيها لحظات، ثم نعود إلى الحيطان الأسمنتية، والنوافذ ذات ستائر السّحابات الحديدية، والميادين التي يتصارع فرسان المركبات الفولاذية على عبورها. ولكن محمد صادق دياب لم يستطع الانفلات من سطوة جدة. جدة بمجملها وبالأخص أصالتها وجذورها. إنه العشق للتراب والأزقة والحارات والبيوت والرجال والتاريخ. وهذا ما يفسر أن إبداعاته شملت قصصًا من الحارة، وكتابة لتاريخ محبوبته وحياتها الاجتماعية، وأمثالها، ورواية من مقام حجاز. وهذا ما يفسر أن جميع عمد جدة حضروا لوداعه في “أمنا حوا”. لا يعني ما أقول إنه رجل متجمد كان يعيش في الماضي، بل العكس. لقد كان رجلاً يعيش الحاضر وتحدّيات المستقبل، إلاّ أنه كان يعشق الجذور والأصول. وكان رجلاً ذا شهامة عفوية. وكان رجلاً ذا وفاء كبير لزمانه بماضيه وحاضره، ولأصدقائه، ولذاكرته التي لم تمت في حياته، وتركها حية مكتوبة بعد مماته. وداعًا أيُّها الرجل الأصيل. [email protected]