ليس بإمكاننا أن نسدل الستار بهذه البساطة على موضوع كهذا طال الخوض فيه وفرض نفسه على الواقع المُر لبعض أخواتنا قبل أن تفرضه التغيرات السريعة والمتلاحقة في نظم العولمة وتبعاتها على المجتمع وعلاقاته، فتشير بعض الإحصاءات المتواضعة إلى أن أغلب طلبات الزواج هي زواج المسيار وهي طلبات من الأعمار كلها ابتداء من مرحلة الشباب المبكرة وحتى الشيخوخة المتأخرة، ولكل فيه غرضه ومآربه التي سنتعرض لبعضها هنا في هذا المقام.. فليت هذا الزواج اقتصر على من هنّ أهل له بل امتد كالنار تأكل الأخضر واليابس.. فالدعاة والأئمة - وفقهم الله - دعوا الناس لتسهيل زواج المسيار رفعاً للضرر الذي قد يقع على نساء حالت الظروف دون أن يتم لهن أمر زواج عادي، فمنهن المطلقة والأرملة ومن تعول غيرها سواء كانوا أولادها أو غيرهم أو ممن لهن ظروف صحية من إعاقة أو كبر في السن، وهم دعوا - وفقهم الله - إلى قليل من المرونة في التعامل والتنازل غير المعيب عن بعض الأمور الثانوية التي لا تؤثر على استمرار المودة والتواصل بين فئات المجتمع المسلم. ولكن المشاهد المنصف يرى أن غالبية طلبات هذا الزواج قد طالت الأبكار الصغيرات التي تسير إلى هذا المصير غير مخيرة، فيغرر بها أول الأمر لتكون ضحية طلاق في آخره فتجبر على ما أُجبر عليه غيرها؛ إما لجهلها وجهل وليها وإما لاكتفائها بمبدأ (دينه وخلقه) وتيسير أمره.. هي لم تخطئ حين اتخذت هذا المبدأ معياراً لزواجها، ولكن الطرف الآخر أخفى ما الله مبديه، فتقع المسكينة ضحية سهلة في شرك من لم يراعِ الدين والخلق.. نعم لم يراعِ الدين في نيته بالزواج وإقامة أسرة ولم يراعِ الخُلق والمروءة في العبث بأعراض المسلمين تحت مظلة الزواج.. (فالدين المعاملة) أما عند هؤلاء الرجال فما دامت مباحة ومتاحة فلا مشاحة ولو بقليل من التضحية القسرية التي لا يردعها دين أو خلق أو حتى عُرف اجتماعي، وتراكم هذا القبول القسري لهذا السلوك أو قل المنطق المعوج لا يفتأ أن ينكأ جراحاً لم تكن لتنشأ في الأصل. وأغلب ما تكون هذه المصائب من أناس زادهم الله بسطة في العمر والمال. ويمثل المتزوجون السواد الأعظم في هذه القضية، فمنهم من بلغ سن الرشد أو بلغ من الكبر عتياً، وما زال به رمق الحياة يبحث عن فتاة غضة تنفض عنه غبار الأيام كما يدعي، وما هي إلا أيام يتكشف له الفارق بينهما وعدم الانسجام فيطلقها. ومنهم من يتزوج بالثانية ليعيد بها بعضاً من كرامته المسلوبة من قِبل الزوجة الأولى، وبعد أن يجرب نشوة الأسد في عرينه؛ يطلق الزوجة الثانية لأن الأولى سمعته يزأر في نومه. وبعضهم تنامى إلى سمعه مصطلح التغيير فبدل أن يغير من عاداته وسيرة حياته يتغير على زوجته وأبنائه ويتزوج الثانية التي لا يلبث أن يرى كونها كغيرها من النساء فيطلقها ويعود كما كان.. وبعض منهم يتزوج وقد أضمر نية الطلاق - يجرب - حتى وإن كان سعيداً معها ومستقراً يرى أنه يتوجب طلاق هذه المرأة من باب حب التغيير أو لأنه لم ينوِ استمرار هذا الزواج، وآخرون يتزوج الفرد منهم فيكون سعيداً بزواجه لكن لأقل طارئ من طوارئ هذه الحياة على أي فرد في حياته أو عمله يطلّق الثانية الطرف الأضعف؛ ليعود إلى زوجته الأولى مستكيناً تُضمد جُرحاً كان نزيف الدم فيها من قلب الثانية، وبعضهم ممن تكون أحواله سيئة على أقل تقدير فيتزوج بالثانية وتكون زوجة صالحة يبارك الله لهما فيرى الهناء على يديها، يصحو ضميره فجأة على حد قوله فيعود للأولى ويطلق الثانية من باب هي نعمة لا تستحق من هو مثلي؛ فلأطلقها يرزقها الله بخير مني وإن كانت راضية معه بحالها وأحواله. إن الرجال أفعال.. نعم الرجال أفعال، لكن ألم يميز تلك الأفعال التي تفرض بين رجل مسلم عاقل وغيره من ذكور الكائنات الأخرى.. هذا إذا اقتصر أمره على زوجة واحدة أو اثنتين واستسلم بعدها لكذبة يرددها على مسامع من حوله كالببغاء من أنه محسود أو مسحور ويتخيل أن من حوله أغبياء يصدِّقون الأشياء كلها، فيمضي في الكذب حتى يتجانس معه. ويصدق نفسه.. وليت هذا الأمر يتوقف عند هذا الحد فقد يكرر هذا الزواج عدة مرات باحثاً عمن تؤكد له أفعال الرجال وتلكم النساء اللاتي يزج بهن إلى حفرة الطلاق. فهنّ من يتحملن تبعات هذا الزواج من أطفال أو حقوق ضائعة معنوية كانت أو صحية أو مادية، وقد يكون حبل النجاة للخروج من هذه الحفرة هو زواج المسيار - هذا إن كان فعلاً حبل نجاة - ولم يكن حبل تُربط به المرأة من عنقها لتدور في حلقة مفرغة (كالمستجير من الرمضاء بالنار).. وهكذا تمضي الأيام بأهلها والحسرات معلقة بأعناق الصغار الذين يدفعون إلى هذا العالم المتلاطم بغير حساب ليدفعوا هُم وأوطانهم فواتير مرض ونزوة آبائهم لأن كل مولود جديد إما أن يكون طاقة إبداعية وإنتاجية أو عبئاً جديداً يضاف إلى أعباء هذا الوطن وعائقاً إضافياً من عوائق التنمية، ولأن بناء الأسرة لم يعد القيمة الجوهرية للزواج فقد اختلطت علينا الأسباب والمشكلات وحمّلنا الدولة تبعات كثرة المطلقات والمعلقات والأطفال المشردين والمتسولين والشباب المنحرفين والمدمنين وحتى الإرهابيين والمرضى النفسيين.. نعم ماذا يفعل الذين اغتالهم الزمن وعجزوا عن المقاومة.. أين يذهب من شعر أنه خُدع أو رأى أن الباطل طغى على الحق.. ماذا يقول للذي منحهم حماية مصطنعة جبرية وهو نفسه الذي أدخلهم سجن الحياة وتخلى عنهم.. كيف يقف أمام من يتحدث في المبادئ وهو نفسه الذي أضاعها منذ زمن طويل.. هذا الفرد الذي جاع صغيراً وانحرف فتى وضاع شاباً، هل سيطول صمتنا حتى نرى جماعات من هذه الفئات التي تنتمي إلى نفس المجتمع تعشعش بين جنبات هذا الوطن تقض مضجعه وتزعزع أمنه وتعبث بثرواته؟ يعيشون حالة وجدانية خانقة وعاصفة وغير مؤهلة لأي إنجاز غير الإرباك والبلبلة ودفع الوطن إلى مزيد من تبديد الطاقة وإهدار الجهد في علاجهم أو ردعهم وتمديد أمد العجز والتخلف لمجتمعهم كونهم لا يملكون رؤية بديلة تعينهم على الأقل على تحمل ماضيهم واستشراف حاضرهم.. ونحن هنا آباؤهم وأفراد مجتمعهم، هل طغى على تفكيرنا المأزوم بحياتنا العامة على التفكير المنطقي السليم لنتهرب من الاعتراف بقانون السببية لنردم أخطاءنا ومشكلاتنا ومظاهر الخلل والتخبط والظلم التي اتضحت معالمها علينا قبل أن تتضح على فلذات أكبادنا عماد الأمم في القريب العاجل..؟ إننا هنا في هذا المقال من منطلق أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ونحن على أبواب العطلة الصيفية التي تكثر فيها هذه المناسبات أرفع بعضاً من الأسباب التي قد يُشار إليها متفرقة أو على استحياء بين الحين والآخر، هذا إن لم يُسكت عنها لسبب قد نعلمه في قرارة أنفسنا..! وهنا ننادي - نحن النساء - أهل الحل والعقد بسرعة ردم الفجوة الواسعة بين دراسة جوانب المشكلة وأبعادها واتخاذ قرار بشأنها ثم تفعيل هذا القرار.. لأن مشكلة تفشي ظاهرة الزواج المقصود على التفكير المادي والسلوك الشهواني المنتهي بالطلاق قد طال كثيراً من الأسر لأنه - وخوفاً من العنوسة - تقع في فخ أكبر منه وهو الطلاق على أقل الضررين أو طلاق مع أطفال أو أن تظل الواحدة منا معلقة تراوح في مكانها، فقد غدت ظاهرة الزواج التي يباشرها المجتمع عادة رتيبة مفرغة من محتوياتها الإيمانية والإنسانية المليئة بالحب والمودة وتشارك المسؤوليات.. والمسيار يأتي في إحدى كفتين؛ إما قبول كامل وشامل وإما رفض كامل وشامل، وهنا مكمن الداء، فبينهما تضيع الحقائق، والحقوق المادية والمعنوية والأخلاقية وأهمها الثقة والوفاء بالعهود والمواثيق.. نعم ندعو في كل وقت وحين إلى تيسير أمور الزواج وندعم ونؤيد أي مشروع يقوم على تزويج الشباب وستر نساء المسلمين، لكن هل يتوقف عملنا عند هذا الحد؟ ألن ننظر إلى طرفي هذه العلاقة التي يقوم عليهما مشروع الزواج؟ ما هي خططهم وخلفياتهم في إدارته؟ هل ستقام على انسجام وتوازن وتآزر أم كما جرت العادة في كونها علاقة استسلام أبله أو توتر أرعن يتخلله تضييق الحرية وسيادة الريبة والشك وتوقع الغدر؟ هل سنبقى نسخاً مكررة نرزح تحت جهل مركب..؟ لا أقول موغلاً في القدم لأن الأجيال السابقة حملت إلينا صوراً مشرقة من التكاتف والتعاطف والتآلف لكننا نحتاج أن نقوم بعمل حفريات واسعة وعميقة في ذواتنا وعلاقاتنا المعاقة لنعرف كيف بدأ الخلل وكيف تكوّن وكيف استمر لأننا إن لم نفعل فسنعيد هذه الإعاقة إلى غير أسبابها وإن كانت هذه الأسباب تافهة إلا أنها فادحة النتائج، فقد تُهدم أسر وتقوض مجتمعات وتلحق الأذى بأبرياء كان نصيبهم من نكد الحياة أن قاموا بعمل نزيه تغيرت أهدافه فوضعهم في مجرى طوفان السلوك العام. وقبل أن أعود إلى شرنقة التأمل الذاتية المحاكة بخيوط الصمت أود ممن أصغى إلى آهاتنا في الأسطر الماضية أن يتفهم معاناتنا ويساندنا ويمحضنا النصيحة. والله من وراء القصد..