المملكة تعيد تعريف التنافسية غير النفطية    تحويل الفشل إلى نقطة انطلاق    مستويات قياسية لأسواق الدين العالمية    هل ستقفز من الهاوية؟    ما بين الواقع والطموح.. اللاعب السعودي أمام منعطف حاسم    تجارب تشغيلية لمتطوعي كأس آسيا تحت 23 عامًا «2026 السعودية»    المحاكم من عامة إلى متخصصة    قوة تُغيّر الواقع دون ضجيج    الملد.. قريةٌ تعلو الصخر    مبدعون ودعتهم الأوساط الثقافية عام 2025    الإكثار من الماتشا خطر صحي يهدد الفتيات    هل تستطيع العقوبات تغيير مسار الصراع؟    المملكة توزّع (178) سلة غذائية في مدينة طالقان بأفغانستان    ترامب: أتناول جرعة أسبرين أكبر مما يوصي بها الأطباء    بلغاريا تنضم رسمياً لمنطقة اليورو وتلغي عملتها الوطنية «الليف»    ينبع تشهد مؤتمر "الجيل السعودي القادم" في عامه الثاني ضمن فعاليات رالي داكار السعودية 2026    البرازيل: المحكمة العليا تأمر بإعادة بولسونارو للسجن بعد خروجه من المستشفى    "هيكساجون" أكبر مركز بيانات حكومي في العالم في الرياض    إحباط تهريب (85,500) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي في عسير    أمير الشرقية يدشّن محطتي تحلية المياه ومنصة «خير الشرقية»    متطوعو كأس آسيا تحت 23 عامًا "2026 السعودية" يخضعون لتجارب تشغيلية في ملاعب البطولة    رئيس مجلس إدارة نادي الإبل يزور معرض إمارة منطقة الرياض المشارك بمهرجان الملك عبدالعزيز للإبل العاشر    الهلال يدرس التعاقد مع لاعب انتر ميلان    محافظ الطائف يدشّن مسابقة بالقرآن نسمو 2 دعمًا لحفظ كتاب الله وترسيخ القيم القرآنيه    نائب أمير الشرقية يطلع على مبادرة "مساجدنا عامرة" و يطلع على أعمال جمعية "إنجاب"    فريق طبي ب"مركزي القطيف" يحقق إنجازا طبيا نوعيا بإجراء أول عملية استبدال مفصل    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    ارتفاع السوق    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    زوّجوه يعقل    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    فلما اشتد ساعده رماني    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نضال الفكر السياسي السعودي على مدى أربعة قرون لبناء أمة
نشر في الجزيرة يوم 21 - 10 - 2005

* العميد الركن علي بن هلهول الرويلي وزارة الدفاع- القوات البرية :
الفكر السياسي:
1 - مهما اختلفت المجتمعات والشعوب زماناً ومكاناً وأسلوب حياة لا بد لها من قواسم مشتركة ومتشابهة تمارسها، فالإنسان تحكمه وتشكله حركة حياته التي تتطور عبر الزمن وتصبح نمطاً تراكمياً يؤثر فيه عبر تاريخ حياته. عند ذلك يتشكل نمط الحياة ومورثوها الثقافي والاجتماعي. وتتحدد فيها وسائل الصراع من أجل البقاء. وتتحول إلى آلية تعمل وتتعاطى مع حركة الإنسان. وفي كل هذا يعمل الإنسان فكره ويسخر عقله من أجل تلك المعطيات. ويتعامل معها سواء كانت متغيرات أم ثوابت. ويشترك في رسم هذه الآلية كل فئات المجتمع. حيث يبدأ بتحديد أهدافه ومصالحه القومية، وربما تتعارض هذه الأهداف والمصالح مع أهداف ومصالح شعوب أخرى. عندها يتوجب تبني آيات أخرى لتحكم حركة المجتمع وتوجهه إلى حيث تحقيق أهدافه وغاياته القومية مع مراعاة ما قد ينشأ من تعارض مصالحه والاستعداد للتعامل مع المواقف الجديدة المفروضة عليه، وهنا تبرز إمكانية هذا المجتمع وقدرته على تحمل مسؤولياته في تحديد أسلوب حياته، ومن هذا المنطلق بدأ يظهر الفكر السياسي للإنسان الذي لم يأخذ مكانته كأحد العلوم الإنسانية ولكنه يمارسه بتلقائية وعفوية تفرضها مواقف معينة.
2 - بدأت ملامح الفكر السياسي تتضح بين الأمم والشعوب منذ مطلع التاريخ، خصوصاً عندما بدأ التنافس بين هذه الأمم على المصالح ومحاولة كل منها توسيع دائرة نفوذها لتسيطرعلى مراكز التجارة ومراكز المواصلات، وكان من أبرز تلك الإمبراطوريات الإمبراطورية الفارسية التي بسطت نفوذها على الخليج وشمال الجزيرة العربية. والإمبراطورية الرومانية التي بسطت نفوذها على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا وجنوب غرب أوروبا وأصبحت المنطقة العربية ممثلة بجزيرة العرب وما حولها نقطة تماس بين هاتين الإمبراطوريتين ومنطقة عبور بين الشرق والغرب.
نشأة وتطور الفكر السياسي السعودي
تعود نشأة الفكر السياسي السعودي إلى نشأة الدولة السعودية الأولى عندما أعلنها الأمير محمد بن سعود في سنة 1139ه - 1727م، في مدينة الدرعية وسط نجد الذي تنتشر به إمارات متناثرة متهادنة أحياناً ومتناحرة أحياناً أخرى، وحتى نبحث نشأة وتطور الفكر السياسي السعودي علينا أن نتناوله من ثلاثة أبعاد وهي البعد الزماني، البعد المكاني، البعد العقائدي(1).
1 - البعد الزماني:
نشأ هذا الفكر في القرن الثامن عشر الميلادي في الوقت الذي كانت فيه جزيرة العرب تعاني من الفوضى وعدم الاستقرار، حيث يمكننا أن نصف ذلك بمجتمع اللا دولة، والذي يتسم بالصفات التالية:
أ - مجتمع تنعدم فيه المؤسسات مقارنة بمجتمعات أخرى.
ب - مجتمع قبلي متناحر، تحركه العصبية القبلية، ومصالح وأهداف محدودة.
ج - كل فئة فيه تبحث عن استقلال لوحدها.
د - يعتمد كل مجتمع على حياة تعاونية بين أفراده وليس لهم طموحات أخرى.
ه - تخلف وانحراف في العقيدة، وانتشار الخرافات.
و - لم تتبن أي فئة أو مجتمع أو قبيلة أي فكر سياسي أو فكر وحدوي.
أما بالنسبة لهذه الحقبة من التاريخ وهي بداية القرن الثامن عشر الميلادي فهي تتسم بالآتي:
أ - تنافس استعماري أوروبي على المنطقة وخصوصاً ممراتها المائية التي تتحكم بالتجارة العالمية وهي الخليج العربي والبحر الأحمر(2).
ب - الصراع بين إنجلترا وفرنسا من جهة وبين هولندا من جهة أخرى للاستيلاء على طرق التجارة إلى الشرق وطرد البرتغاليين.
ج - ضعف الدولة العثمانية وانشغالها بمحاربة حركات التمرد وحركات الانفصاليين والتمرد في أوروبا الشرقية.
د - الحملة الفرنسية على مصر ومحاولة الزحف إلى الشام والعراق والوصول إلى المنطقة.
ه - تداخل سياسات القوى الاستعمارية.
و - ظهور الرحالة والمستكشفين الأوروبيين تمهيداً لحقبة من الاستعمار الأوروبي.
ز - وجود فراغ سياسي في جزيرة العرب.
ح - ظهور دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب الإصلاحية.
2 - البعد المكاني:
ظهر الفكر السياسي السعودي أول ما ظهر في نجد وسط جزيرة العرب عام 1727م وكانت لهذا المكان خصائص جغرافية، كان لها تأثير كبير على الحياة البشرية في ذلك الوقت وقبل أن نعرف تلك التأثيرات علينا أن نذكر خصائص إقليم نجد الجغرافية والمناخية ومساهمة تلك التأثيرات في تشكيل الحياة السياسية في وسط الجزيرة.
أ - تأثير خصائص البيئة على الوضع السياسي والديمقرغرافي في نجد:
1 - ظل إقليم نجد مستعصياً على أشكال الاستعمار والنفوذ الأجنبي عبر تاريخه الطويل (3) حتى حملات إبراهيم باشا لم تستطع الاستقرار به.
2 - انتشرت في إقليم نجد المجاعة مما دفع كثيرا من قبائله بالنزوح إلى الشمال.
3 - عدم وجود انهار أو بحيرات جعل الإقليم طارداً لسكانه مما أثر على التوزيع الديمواغرافي للسكان.
4 - تركز وجود السكان في كل من الدرعية والعينية والرياض وحريملاء وهي من أهم حواضر نجد في ذلك الوقت.
5 - شكلت الصحاري الرملية المحيطة بإقليم نجد في كل الاتجاهات حماية طبيعية لمن يحاول غزو هذا الإقليم.
6 - أدى انعزال هذا الإقليم إلى انتشار كثير من البدع والخرافات التي شوهت عقيدة السلف الصالح.
7 - انتشار عبادة القبور والاعتقاد بالأولياء الصالحين.
8 - أهم مراكز القوة والنفوذ في الإقليم في ذلك الوقت هم آل سعود في الدرعية وآل معمر في العينية ودهام بن دواس في الرياض ولكنهم لم يلعبوا دوراً سياسياً فيه.
9 - نشأت مجتمعات متطابقة مع مصادر الحياة. وهي مجتمعات صغيرة تعتمد على التنقل وراء الماء والمرعى.
10 - حال هذا الوضع الجغرافي دون نشوء الدولة بالمعنى الشامل لها (3) أو ظهور فكر سياسي يدعو لكيان سياسي.
3 - البعد العقائدي (البعد الديني):
بدأ تاريخ آل سعود عام 1720م 1132ه حين آلت إمارة الدرعية، وهي قرية صغيرة تبعد عشرين كيلو مترا من الرياض عاصمة المملكة الحالية إلى سعود بن محمد بن مقرن الذي ورثها عن ابن عمه زيد بن فرحان وما لبث سعود أن قُتل ليتولاها من بعده ابنه محمد بن سعود عام 1726م 1138ه وبه بدأ تاريخ الأسرة الحقيقي (4).
كانت البدع والخرافات قد انتشرت في مجتمعات الجزيرة العربية التي جعلت من سلوك المسلم ما يشبه الوثنية، دون استناد إلى مصدر شرعي (6) وكادت تغيب قواعد واهداف الدين السامية لتحل محلها دخائل لا صلة للدين بها، وهنا ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ الإصلاحية في المنطقة والتي تسيطر عليها بالإضافة إلى إمارة الدرعية مشيخات العيينة والرياض وحريملاء وكانت العلاقة بين هذه المشيخات علاقات غزو متبادل وصراع من اجل البقاء. وجميعها رفض دعوة الشيخ أو مساندته بل إن بعضهم حرض على قتله بدعوة خروجه على الإسلام. إلا ابن سعود أمير الدرعية الذي احتضن هذه الدعوة وتبناها واستشعر أنه بدعوة الإصلاح الديني يستطيع أن يمد سلطاته إلى أبعد من حدود الدرعية وما حولها وان يوحد نجد وما جاورها، فتعاهدا معاً على نشر الدعوة والقتال في سبيل العودة بالإسلام إلى أصله وتنقيته مما لحق به من أضاليل وبدع فتبنيا الاثنان (آل سعود والشيخ) الدعوة والفكر السلفي. وأن قضايا السلطة والسياسة والمجتمع تدخل من باب أولى في إطار المفهوم الصحيح للدين. وهذا ما دعوا له فكراً وممارسة (7) معتبرين ذلك هو الحل الإسلامي لما يواجهه المجتمع المحلي والعربي من كوارث.
لقد أتى الحل من نجد الفقيرة كما اتضح لنا سابقاً فهو إقليم نجد في الدولة السعودية الأولى ويأتي من نجد في الدولة السعودية الثانية ويأتي من نجد أيضاً في الدولة السعودية الثالثة. فبرغم اختلاف الزمان إلا أنها تبنت كياناً سياسياً عظيماً شملت معظم الجزيرة العربية دون مساعدة من قوى أجنبية ودون أن تنصهر أو تتأثر بأفكار ومبادىء غربية ولا شرقية لكنها حافظت على هويتها العربية والإسلامية وأعادت إلى الجزيرة مكانتها السياسية. فآل سعود هم الذين أعادوا هذه المكانة الريادية بعد أن انتقلت منها بعد حكم الخلفاء الراشدين إلى دمشق ثم إلى بغداد.
خصائص الفكر السياسي السعودي
يجمع دارسو السياسة الخارجية على أن المنطلقات الفكرية للقادة السياسيين تحدد إلى حد بعيد طبيعة ومضمون السياسة الخارجية للدولة. فرؤية القائد السياسي للوقائع الموضوعية هي التي تحدد سياسته الخارجية. ولا يتعدى دور الوقائع الموضوعية تحديد إمكانية نجاح أو فشل تلك السياسة. فإذا تأملنا الفكر السياسي لهؤلاء القادة السعوديين على مدى مراحل الدولة الثلاث، لوجدنا أنها تدور حول القيم الإسلامية كما أنها كانت مستمدة من الإسكان (8) كما أن نشأة النظام السياسي السعودي تفسر إلى حد كبير الدور المحوري الذي يضطلع به الإسلام في رسم السياسة السعودية، فإن الفكر السياسي للقادة السياسيين الذين أسسوا تلك الدول الثلاث وحكموها تؤكد هذا الدور المحوري. فلذلك نستطيع أن نلخص خصائص ومرتكزات الفكر السياسي السعودي عبر مراحل الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة.
1 - إسلامي النشأة:
فهو لم يولد بفكر قومي، أو بتوجيه من قوى استعمارية أو متأثرا بأفكار سياسية أو إيحاء غريب، ولكن نشأ إسلامياً عندما تبايع الأمير والفقيه بمؤازرة كل منهما للآخر وأن يحملا معاً رسالة الإسلام، ويتضح لنا أيضاً هذا التوجيه من الرسالة التي بعث بها الامام سعود بن عبد العزيز للسلطان سليم يقول فيها: (من سعود إلى سليم الثالث أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من محرم 1218ه أمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما هناك من أشياء الوثنية) وظهر ذلك أيضاً في الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عندما قال في إحدى خطبه (أنا مبشر أدعو لدين الإسلام ولنشره بين الأقوام،أنا داعية لعقيدة السلف الصالح وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله) (9).
2 - تحرري وحدوي:
حيث استطاع تحرير شعب الجزيرة العربية من التبعية للأجنبي، وكان ذلك هدف الدولة السعودية الأولى، فعندما بويع عبد العزيز بن محمد بن سعود بعد وفاة والده بدأ نشاطه التوحيدي والوحدوي حيث باشر هجماته العسكرية ضد القوى النجدية في الوشم وسدير وبعض مناطق القصيم، ثم احتل الرياض في نصف ربيع الآخر سنة 1187ه - 1773م. وامتد نشاطها العسكري إلى منطقة الجوف وتيماء ووادي السرحان وخيبر ثم تم الاستيلاء على الأحساء 1198ه - 1783ه وعسير 1211ه - 1796م، ثم واصلت القوات السعودية زحفها على جبل شمر وإخضاعه في سنة 1207ه - 1792م ثم ضم الحجاز إلى الدولة السعودية 1220ه - 1805م ثم المدينة المنورة (10) وتوالى التوحيد لجزيرة العرب حتى أصبحت دولة واحدة من عمان جنوباً وحتى مشارف بغداد ودمشق شمالاً مكونة كياناً سياسياً عربياً مستقلاً، وكرر ذلك في الدولة السعودية الثالثة حيث قام الملك عبدالعزيز بتوحيد المملكة بعد حروب طويلة وشاقة ليحرر ويوحد شعوباً وقبائل متناثرة في أرجاء الجزيرة العربية، وكان دائما هذا هدفه وهو يقول (ما كنا عرباً إلا بعد ما كنا مسلمين، كنا عبيداً للعجم ولكن الإسلام جعلنا سادة ليس لنا فضيلة إلا بالله وطاعته واتباع محمد صلى الله عليه وسلم ويجب أن نعرف حقيقة ديننا وعروبتنا ولا ننساهما، كل حرية باطلة (إلا حرية الإسلام) (11) وبهذا حقق وحدة عربية تستلهم مبادئها من التراث العربي والإسلامي.
3 - قومي:
حافظ على القومية والهوية العربية عن طريق إبراز الدور الحضاري للعرب في مختلف مراحل التاريخ، مع العلم انه يختلف عن تلك القومية التي ينادي بها دعاة القومية بالمفهوم الأجنبي.
4 - إصلاحي:
صحح سلوكيات الإنسان في الجزيرة العربية وتعامل مع معطياته الداخلية والخارجية ويمارس السلطة والسياسة في إطار المفهوم الصحيح للدين.
5 - تقليدي وعقلاني:
فهو جزء من تراث الأمة لا سبيل إلى نقضه، لأنه يمتد إلى جذور إسلامية لكنه متطور ويمكن تحديثه (12) يعتمد على عقل رزين في اتصالاته وعلاقاته.
6 - حكمة وتوازن:
يعتمد على ضبط النفس ويبتعد عن الاستفزاز ويحافظ على العلاقات المتوازنة بين القوى الفاعلة وهذا ما يلعبه الفكر السياسي السعودي خصوصاً في الدولة السعودية الأولى والثالثة حيث استطاع أن يجنب البلاد صراعات وحروب مع قوى أخرى في المنطقة كانت من الممكن أن تعرقل مصالح واهداف الدولة.
معطيات الفكر السياسي السعودي عبر مراحل الدولة الثلاث:
قدم هذا الفكر معطيات إنسانية عظيمة ليس فقط لشعوب الجزيرة العربية وإنما لكل عربي ومسلم في أرجاء المعمورة واهم هذه المعطيات هي:
أ - إقامة أول دولة عربية مسلمة بعد الخلافة الإسلامية. وأول دولة مؤسسات عربية ذات سيادة في وسط جزيرة العرب، ولما كان من بين الأهداف الأصيلة للدولة السعودية الأولى إقامة دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة لتكون بمثابة النواة لتحرير البلدان العربية من الحكم العثماني، فقد اصدر الأمير سعود الكبير تعليماته بإبطال الدعاء للسلطان في خطب الجمعة، كما أمر بإخراج الأتراك وموظفي الدولة العثمانية وأقام حاميات عربية ونظم شؤون الإدارة والحكم تنظيماً جديداً(13).
ب - إن الفكر السياسي السعودي أذكى حركات التحرر في الوطن العربي وشجعها على النهوض لتحرير أوطانها من براثن الاستعمار الأجنبي، وهذا الفكر سبق بعشرات السنين بما يسمى الثورة العربية الكبرى الذي أطلقها الشريف من مكة عام 1916م (14) وذلك عندما ألغت الدولة السعودية الأولى ألقاب السلطان الرسمية، حيث لم يكن بإمكان السلطان ادعاء السيادة على الأماكن المقدسة بعد استيلاء القوات السعودية عليها عام 1804م(15).
ج - جعلت من إقليم نجد (وسط جزيرة العرب) منارا للعلم والعلماء بعد أن كان يوصف بالمجاعة وشهد سكانه هجرات متتالية إلى شمال الجزيرة، كما أن آل سعود ولأول مرة في التاريخ يجعلون جزيرة العرب مناطق جذب سكاني، حيث شهدت عودة أبنائها مرة أخرى لها، بعد أن هجروها إلى بلاد الرافدين وبلاد الشام واليمن، بما يسمى بالهجرة العكسية، وأصبحت المملكة العربية السعودية غاية يسعى إليها كل طالب علم وعمل، فهي الدولة الوحيدة في العالم الذي يعمل بها عمال وافدون من جميع أقطار العالم وهذه خاصية تنفرد بها المملكة العربية السعودية.
د - استطاع الفكر السياسي السعودي أن يبني أمة ونقلها من حالة التشرذم والضعف إلى حالة الوحدة والقوة. وينشئ حضارة من ضمن تجاذبات عبر أربعة قرون في بيئة صحراوية فقيرة في الوقت الذي لا يمكن بناء الحضاراة في جميع حقب التاريخ إلا حول البحار والأنهار.
ه - إن الفكر السياسي السعودي جاء من البيئة ولم يكن مستورداً أو دخيلاً، فجاء منسجماً مع متطلبات المكان ومعطيات الزمان، ولأن آل سعود هم من هذه البيئة حيث تعود أصولهم كما ذكرت كتب التاريخ إلى قبيلة عنزة وهي من أكبر القبائل العربية وأكثرها انتشاراً حيث ولد هذا الفكر ونشأ وترعرع ليعطي النموذج العربي الأصيل للفكر العربي الإسلامي.
*********
هوامش:..........
(1) العميد الركن علي بن هلهول الرويلي- السياسة الخارجية للمملكة السعودية وأثرها في تحقيق الأمن القومي العربي، بحث زمالة غير منشور- أكاديمية ناصر العسكرية العليا القاهرة 2002م ص 13.
(2) فتحية النيراوي ومحمد نصر- الخليج العربي نشأة المعارف- الإسكندرية ص 11.
(3) نهاد العادري - السياسة الخارجية السعودية ص 17.
(4) المرجع السابق ص 18.
(5) المرجع السابق ص 19.
(6)محمد بن عبد الرحمن الخميس (عناية الملك عبد العزيز بالعقيدة السلفية ودفاعه عنها - الرياض 1999 ص 19.
(7) محمد بن عبد الرحمن الخميس (عناية الملك عبدالعزيز بالعقيدة السلفية ودفاعه عنها الرياض 1999 ص 19.
(8) عبد العزيز حسين الصويغ، الاسلام في السياسة الخارجية - الرياض 1414ه ص 37 .
(9) أمين الساعاتي: التطورات السياسية في المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى 1987م جدة ص 64.
(10) السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية في مائة عام 1419ه الرياض ص 16.
(11) أمين الساعاتي مرجع سابق ص 65.
(12) السياسة الخارجية السعودية الأهداف والأساليب - مرجع سابق ص 8.
(13) أحمد عسه - معجزة فوق الرمال - بيروت - المطابع الأهلية اللبنانية 1972 ص 21 - 22.
(14) عبد الله سعود القباع - السياسة الخارجية السعودية 1986م.
(15) السياسة الخارجية السعودية - الأهداف والأساليب - مرجع سابق ص 31.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.