تحقيق التوافق بين مخرجات التعليم ومتطلَّبات التنمية ورقة رأي مقدمة لورشة العمل حول طرق تفعيل وثيقة الآراء للأمير عبدالله بن عبدالعزيز حول التعليم العالي جامعة الملك عبدالعزيز - جدة - 31 يناير 2005 موضوع كثير التناول، دائم الإلحاح على المنتديات الأكاديمية، ويطرح في صور مختلفة، استجابة للمتغيرات التي تطرأ على المجتمع، وكان يأخذ مسمياتٍ مختلفة، مثل: (التعليم والاحتياجات التنموية)، و(إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة علمياً والمدربة عملياً)، و(التعليم وتخطيط القوى العاملة)، وفي كل الأحوال كان سوق العمل يبدو وكأنه العامل الموجِّه الوحيد لمخرجات التعليم. ومؤخراً، وبرغم قصر عمل التعليم في منطقة الخليج، إلا أنه ارتفعت أصوات تطالب بإعادة هيكلة التعليم، ليحقق مطالب سوق العمل، فقد استجدت عوامل أدت إلى الطرح الراهن لهذه القضية أهمها: - تنامي دور القطاع الخاص الذي يفرض احتياجاته على مخرجات التعليم. - عولمة الاقتصاد، وتراجع دور مؤسسات الدولة في مجالات الخدمات، وفي إدارة النشاط الاقتصادي. وعند الحديث عن دول الخليج، لا يجب أن يغيب عنا أنها حديثة النشأة، حديثة العهد ببناء المؤسسات، تحتاج الدولة ومؤسساتها الحكومية للخريجين من التخصصات التي تتوافق واحتياجاتها، ومن ثم، فإن المعالجة الموضوعية لهذه المسألة تدعونا لأن نلتفت - في المقابل من احتياجات سوق العمل - إلى اعتبارات أخرى، منها: أ) أن في التعليم إثراء للمعرفة الإنسانية بكل فروعها. ب) أن تمكين الإنسان العربي من المعرفة حق أساسي. ج) أن تحقيق التكامل المعرفي في العملية التعليمية، ضرورة من ضرورات بناء الإنسان وبلورة شخصيته. د) أن من أهم أهداف الجامعة إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة علميا، لتكوين قاعدة قوية للبحث العلمي، مرتكزة على العلوم الأساسية. ومن جهة أخرى، فإن حصر وظيفة المؤسسات التعليمية في تلبية احتياجات سوق العمل كان له آثاره السالبة، ومنها: - التأثيرعلى التخطيط للعملية التعليمية، حيث اختزلت الغايات التعليمية في تلبية احتياجات سوق العمل، بغض النظر عن أهمية التكامل المعرفي في التنمية البشرية، وتمكين الإنسان من فهم واقعه وتحسينه، وبناء على هذا المفهوم، تمت مراجعة السياسات التعليمية، خاصة على مستوى التعليم الجامعي، توفيقا بين التعليم واحتياجات سوق العمل، مما أدى إلى إغفال بعض التخصصات (مثال: ألغت جامعة الملك سعود درجة البكالوريوس في علم الفلك، لضعف الفرص الوظيفة للخريجين، من جهة، ولقلة عدد الطلاب - 5 طلاب فقط - من جهة أخرى)، والتقليل من أهمية كثير من التخصصات في العلوم الإنسانية، والتركيز على تخصصات التقنية، والعلوم التطبيقية (أوضحت ورقة دراسة ألقيت في الندوة المصاحبة للاجتماع الرابع عشر للجنة رؤساء ومديري الجامعات الخليجية أن التخصصات المطلوبة في سوق العمل السعودية تنحصر في: تخصصات الهندسة - التخصصات الإدارية والحاسب الآلي - اللغة الإنجليزية - الفيزياء والرياضيات - اللغة العربية - التربية الخاصة). - التأثير على مفهوم جهات التوظيف ونظرتها للتخصصات العلمية بطبيعتها الخاصة وامكانية الاستفادة منها، بالاضافة إلى التأثيرات السلبية على توقع جهات التوظيف من الخريجين الجدد، لأن الوظيفة الرئيسية للجامعة هي معرفية وبحثية أكثر من كونها تدريبية أو مهنية، فلا يمكن أن نتوقع أن يكون الخريج مؤهلاً مهنياً ومهارياً لكل الوظائف، ليلبي المتطلبات المتجددة والسريعة لسوق العمل. - التأثير على المعرفة الإنسانية، فالسير وراء احتياجات سوق العمل قد يؤدي إلى تراجع المعرفة الإنسانية، في منظورها العريض، وربما القضاء على بعض حقولها. - كان للمفهوم التسويقي لوظيفة الجامعة آثاره التعويقية المنظورة والخفية، وقد أدى إلى بروز دعوة فك الارتباط بين عمل الجامعة التعليمي وبين مسؤوليتها عن البحث العلمي وتوطينه في البيئة الاجتماعية الخليجية. والمفترض أن الجامعات حرة في هيكلة اختصاصاتها لأنها محكومة باعتبارات بيئية واقتصادية واجتماعية، ولكن هذه الحرية تظل مشروطة بنوع التوقعات التي يجب أن تلبيها للجماعات الإنسانية التي تخدمها، وهذه مسألة بالغة التعقيد في حال جامعات الخليج، على وجه التحديد، فثمة مفهوم نفعي، يرى الجامعات الخليجية مجرد مدارس تسويقية Merketing Schools، بينما يدعو البعض الآخر الجامعات إلى مساعدة أهل الخليج على إعادة اكتشاف الذات، ومساءلة النفس: من نحن، وماذا نريد، وأين نسير، وكيف نجابه تحديات الحياة ومشاكلها. ونعتقد أنه ينبغي علينا السعي للتوصل إلى توازن حقيقي بين الاحتياجات الوطنية والتنموية، وبين مخرجات التعليم، وإن بدا أن ثمة مشكلة في استيعاب الخريجين الجدد من التخصصات الإنسانية، فإن المسألة - كما نظن - لا تكمن في قلة الحاجة لمثل هذه التخصصات، بقدر ما تكمن في غياب سياسات للإحلال والتوطين، وسياسات للتدريب المستمر. إن أحداً لا يدعو لتجاهل احتياجات سوق العمل، ولكن على هذه السوق أن تتحمل مسؤوليتها تجاه الخريجين الجدد، وتجاه البحث العلمي، وتجاه العملية التعليمية ككل، بدلا من الاكتفاء بإملاء شروطها على السياسات التعليمية. وأخيراً قد يكون من المفيد أن نتوقف لنراجع رؤية جديرة بالتأمل، طرحها الدكتور محمد جواد رضا، بالندوة المشار إليها سابقاً، وتتلخص في دعوة الجامعات الخليجية إلى إعادة هيكلة تخصصاتها على ثلاثة أصعدة: أ) صعيد (تربية عامة)، يمر به كل الطلاب بغض النظر عن اختصاصاتهم العلمية. ب) صعيد الكليات التقليدية، بتخصصاتها. ت) صعيد معاهد جامعية تطبيقية، ملحقة بالكليات المقاربة لاختصاصاتها. ويرى أنه بالإضافة إلى المنافع المتصلة بالاعتبارات الاجتماعية، فإن هذا النظام من شأنه خلق (ثقافة العمل) بدلاً من (ثقافة الوظيفة).