ليس الغياب اختيارًا، بل تحوّلٌ هادئ من مرأى العين إلى عمق الشعور. هناك… حيث لا يصل البصر، تبقى الحكايات حيّة، وتظلّ الخطوات التي مشوها طريقًا ممهدًا في داخلنا. كأنهم لم يرحلوا تمامًا، بل أعادوا ترتيب حضورهم فينا؛ ليغدوا ذكرى لا تُنسى… وحضورًا لا يغيب. تتوارى الأجساد تحت التراب، وتبقى الأرواح بما تركت؛ أثرًا يرافق تفاصيلنا دون أن نشعر. ليست الحكاية عن فنانةٍ مرّت من هنا، بل عن عمرٍ كاملٍ مشى معنا، وجلس في بيوتنا، وشاركنا تفاصيلنا الصغيرة قبل الكبيرة. الحديث عن حياة الفهد ليس استعادةً لأعمالٍ درامية فحسب، بل استدعاء لذاكرةٍ جمعية، تشكّلت فيها ملامحنا، ونضجت عبرها مشاعرنا. لم تكن "قماشة" مجرد امرأةٍ عجوز، بل وجهًا من وجوه الطمع؛ تُطعم أبناءها بيد، وتختبر ولاءهم بالأخرى. وفي "رقية" و"سبيكة"، لم تكن الحكاية خلافًا عابرًا، بل صراعًا طبقيًا صامتًا، يتسلّل بين تفاصيل الحياة اليومية. وكثيرةٌ هي أعمالها المحفورة في ذاكرة بيوتنا؛ فهي ليست دراما فحسب، بل مرايا متعددة لواقعٍ نعيشه، جسّدته الفنانة بصدق، فكنا نضحك معها ونبكي، وكأن ما نراه حقيقة. مرّةً تعكس طمع الإنسان، ومرّةً فوارق المجتمع، ومرّةً هشاشة الواقع. صنعت حياة الفهد حضورًا لا يعتمد على الحكاية وحدها، بل على الصدق الذي يجعلنا نرى أنفسنا… حتى في أكثر الصور إيلامًا. وفي "وعلى الدنيا السلام"، كان الضحك ستارًا شفافًا، خلفه نقدٌ لاذع لواقعٍ مزدحم بالتناقضات. لم تسعَ الشخصيات إلى الكمال، بل مشت بتعثّرها الإنساني الواضح، كأنها تقول: "نحن صورةٌ منكم، فلا تندهشوا". كان "السلام" في العنوان أمنيةً لا حقيقة، وكأن العمل يلوّح لنا بأن الدنيا تمضي بفوضاها، ونحن نحاول فقط أن نحسن العبور. "وعلى الدنيا السلام"… قالتها يومًا، لكننا اليوم نقولها بقلوبٍ أثقل؛ نقولها ونحن نستعيد كيف كانت تمشي بين أدوارها، كأنها تعرف أن لكل حكاية نهاية، وأن البقاء الحقيقي ليس في الجسد، بل في الأثر. ترحل… وتتركنا في منتصف المشهد، نحاول أن نكمل الحوار بدونها، فنكتشف أن بعض الأصوات لا يمكن استبدالها، وأن بعض الحضور لا يُكتب له الغياب. كانت تملأ الشاشة حياة.. واليوم صارت ذكرى لامتدادٍ لا ينتهي. سلامٌ عليها… تركتنا، وتركت إرثًا خالدًا سيبقى في ذاكرة الأجيال. كتبته/ حصه بنت يحيى الزهراني