برعاية أمير المنطقة الشرقية.. انطلاق النسخة الثالثة من مهرجان البشت الحساوي بالأحساء    "تعليم جازان" يحصد 22 جائزة في معرض إبداع للعلوم والهندسة    الذهب يتجاوز 5500 دولار للأوقية    الوعي والإدراك    جامعة الملك سعود تنظم هاكاثون "علوم الطوارئ والسلامة".. الخميس    "بيئة مكة" تحدث معايير مياه الصرف الصحي المعالجة    الرئيس الأميركي: كوبا تقترب من الانهيار    جنوب السودان: تقدم المتمردين يهدد السلام    الحد من التسلح النووي لا يزال مطلباً    الهلال يجدد عرضه لميتي    آل الشيخ يعلن عودة تايسون فيوري لحلبة الملاكمة    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    الصداقة لا تربي    "السجون" و"عمارة المساجد" توقعان مذكرة تعاون    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    الانتماء والحس الوطني    «الخديدي» يسطر «الذاكرة الجماعية» في سيرة من رأى    "أداء" و"التعليم الإلكتروني" يعززان التدريب    وزير الشؤون الإسلامية: ولي العهد مثال يحتذى به في القوة والشجاعة والعزيمة    الشخصية المثمرة    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    "سلامة المرضى" يناقش توجهات الرعاية الآمنة    لا تزال قيد الدراسة.. 3 خيارات للجيش الإسرائيلي لإخضاع حماس    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    ترقية (1031) فردًا في المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمختلف الرتب    بحثا مستقبل القوات الروسية بسوريا.. بوتين للشرع: وحدة سوريا أولوية ومستعدون لدعم دمشق    تكريم الفائزين بجائزة التميز العقاري    الخريف يدشن خطوط إنتاج في جدة.. السعودية مركز إقليمي لصناعات الدواء والغذاء    في الجولة ال 19 من دوري روشن.. الهلال في اختبار القادسية.. والنصر ضيفاً على الخلود    زياد الجهني: نسعى لإسعاد جماهير الأهلي بلقب الدوري    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    ليست مجرد كرة قدم    مكتسبات الرؤية للوطن الطموح.. 800 مليار ريال استثمارات مشاريع «التخصيص»    زيلينسكي يبدي استعداده للقاء بوتين.. الأراضي وزابوروجيا تعرقلان مسار السلام    تعادل الرياض والنجمة إيجابياً في دوري روشن للمحترفين    توقيع برنامج تنفيذي سعودي-صومالي لتفعيل التعاون في المجالات الإسلامية    السعودية في مواجهة الإرهاب رد بالوقائع لا بالشعارات    وكيل وزارة التعليم للتعليم العام يفتتح ملتقى نواتج التعلم «ارتقاء»     أمير حائل يُرحِّب بضيوف رالي باها حائل تويوتا الدولي 2026 من مختلف دول العالم    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    سانوفي تفوز بجائزة التوطين في قطاع الصحة السعودي    إطلاق بوابة "السجل العقاري - أعمال" لتمكين القطاع الخاص من إدارة الثروة العقارية    الشؤون الإسلامية بجازان تُهيّئ جوامع ومساجد محافظة ضمد لاستقبال شهر رمضان المبارك 1447ه    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    مجلس الوزراء يوافق على نظام حقوق المؤلف    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الموروث الأخلاقي للعرب قبل الإسلام (4 - الأنفةُ وعزةُ النفسِ)
نشر في الجزيرة يوم 23 - 04 - 2018

الأنَفةُ، هي العزَّة والحميَّة، فقد جاء في لسان العرب:»أنف مِن الشيء يأنف أنفًا: إذا كرهه وشرفت عنه نفْسُه
ومِن مرادفات الأنَفة: النَّخْوة، والعِزَّة، وإباء الضيم، والحمية»، ويجوز لنا أن نوجز هذا كله في «الكرامة».
ويقابل الأنَفة: الدناءة والخِسَّة، والمهانة والذلَّة، أو الصَّغار والهوان. ولهذا فإن الأنفة قد تكتسي بثياب رفض المذلة، والترفع عن المهانة، والتعالي على الدناءة والدنية، والتجمّل من الوقوع في الخطأ أو ما يستوجب الذم واللعنة. ومن الموروث العربي في تحية الملوكِ في الجاهلية «أبَيْتَ اللعنَ»، أي أبيتَ أن تأَتيَ ما تُلعَن عليه.
والأنفة صفة ملازمة لعزة النفس ومرادفة لها، تخلَّق بها العربي مثلما تخلَّق بغيرها من الصفات الحميدة، وصارت موروثاً أخلاقياً عربياً.
ومن يطالع الشعر العربي القديم يعرف كم كان للعربي من أنفةٍ، وإباءٍ، وعزة نفس. فهو يأبى الضيم، ويرفض الظلم أو الاضطهاد وينكره على نفسه، وربما على غيره أيضاً، فلا يقبل الضيم ويرضى به إلّا كلُّ ذليل النفس خسيس الطباع، وإذا احتمله صاراً عاجزاً لا يُرجى منه دفعُ مُلمِّة أو النهوض بمهمة.
فما أشبه من يقبل الضيم بعِيرُ الحيِّ، المطية أو المطايا التي يعتلي ظهرها الجميع دون تذمر خضوعاً منها وطواعيةً، أو بوتد الخيمة الذي يتلقى الضرب على رأسه دون اعتراض، أو تأفف، وليس له إلّا أن يُضرب فينغرس في الأرض.
وهذا ما عبر عنه الشاعر العربي المتلمس الضبعي (؟ - 43ق. ه/ ?- 580 م)، من بني ضُبيعة، من ربيعة، عاش ومات قبل الإسلام، وهو خال طرفة بن العبد، يقول:
إن العربي الحر ترتقي به عزة نفسه عن أن يرضى بالقليل ويقنع به، إن روحه توّاقة دائماً إلى العلا، ولأن يحيا أياماً معدودة، وإن خالطتها المرارة، في عز وكرامة، أفضل له من أن يعيش سنوات طويلة في ذل ومهانة، وهذا ما عبر عنه عنترة بقوله:
والمهانة، بصورها المختلفة ومنها الذل والضيم، إذا تقبّلها العربي، تدنس سمعته وتلوث وتاريخه، وما دونها يمكن تجاوزه والتغافل عنه، يقول السمؤال (؟ - 560م):
والعربي سمحٌ في طباعه ومعاملته، يتعامل مع الناس بفطرة سوية، ما لم يتعرض لظلم أو إهانة تقلل من شأنه، فإذا ما تعرض لظلم أو إهانة، تغير حاله وتبدلت طباعه؛ اعتداداً بنفسه وثأراً لكرامته. يقول عنترة (525م- 608م تقريباً) معبراً عن ذلك:
وهو يرى أن يحياً عزيزاً، وإن كانت حياته هذه ممزوجة بالمرارة والحنظل، أفضل من أن يحيا يرفل في النعيم وهو ذليل مهان، فالعيش بالعز في جهنم أفضل له وأطيب، يقول عنترة:
والحر في إباءه للضيم، لا يرضاه لنفسه ولا لمحبيه من أقرباءه وأصدقاءه، ومن في جواره أو المستجيرين به، ويبذل في إنقاذهم من الضيم دمه، أو ماله، أو جاهه؛ إيماناً منه أن قبول هذا الضيم لهم يورثه العار والنقيصة بين الناس.
وهذه الأنفة وعزة النفس، والحساسية المفرطة تجاه المهانة والضيم، كان من نتائجها الشجاعة المفرطة، والغيرة الشديدة، وفي بعض المواقف الانفعال المفرط السريع. فقد كانوا لا يسمعون كلمة يشتَّمون منها رائحة المذلة والمهانة إلّا قاموا إلى السيف فاستلوه وإلى الرمح فرفعوه، وأثاروا الحروب لا يدرون متي وكيف تنتهي، غير مبالين بما يضحون في سبيل ذلك .
ولا تُذكر الأنفة، أو الإباء، عند العرب قبل الإسلام، إلّا ويُذكر معها عمرو بن كلثوم (؟- 584م أي حوالي 39 ق. ه)، سيد قبيلة تغلب، فقد كان من أعزِّ الناس نفساً، فلم يكن ليتحمل أن تُهان أمه، ولو كانت هذه الإهانة من أم ملك، لا يقل عنه ملكاً وعزاً، بل قد يبزّه في الملك والعزة، وفي رحاب ملكه وداخل قصره، وهو ملك الحيرة عمرو بن هند (554م-569م). فتذكر الروايات أن أم عمرو بن هند تفاخرت يوماً في حضور جليسات لها، بأنها أشرف نساء العرب، فهي بنت ملوك الحيرة، وزوجة ملك وأم ملك، فقالت إحدى جليساتها، والتي لم يخذلها لسانها في مثل هذه المواقف فلم تمرر مقولتها دون أن تعقِّب: «ليلى بنت المهلهل أشرف منك»، وأخدت تعدد مواطن الشرف والعزة للسيدة ليلى بنت المهلهل، مردفةً: «فعمها الملك كليب، وأبوها الزير سالم المهلهل سادة العرب، وزوجها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وولدها عمرو بن كلثوم سيد قومه». فاعتمل كيد النساء في رأس أم عمرو بن هند، فأجابتها: « لأجعلنها خادمةً لي»، وأحاكت خدعة لإيقاع، تلك التي تبزُّها عزاً وشرفاً، في المذلة والإهانة. فطلبت من ابنها عمرو بن هند أن يدعو عمرو بن كلثوم وأمه لزيارتهم فكان ذلك. وأثناء الضيافة حاولت أم الملك عمرو بن هند أن تنفذ حيلتها، فأشارت إلى جفنة على الطاولة، وقالت: «يا ليلي.. ناوليني تلك الجفنة»، فأدركت ليلى بينت المهلهل الحيلة بحسها الأنثوي الفطري، وربما أنفة منها وترفعاً وإباءً، وأجابتها: «لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها»، فلمّا ألحّت عليها، صرخت: «وا ذلاه»، فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم، وكان جالساً مع عمرو بن هند في مجلس مجاورة، فقام إلى سيف معلق وقتله في دار ملكه، وانتهب رحله وخزائنه وانصرف بالتغالبة إلى خارج الحيرة، ولم يُصب أحدٌ من أصحابه. هكذا كانت ردة فعل عمرو بن كلثوم، دون تردد، ودون تروٍ، ودو سؤالٍ أو تحرٍ، فما هي إلا أن قالت: «وا ذلاه»، حتى نفر الدم في عروقه، وأدرك أن مهانةً أوشكت أن تطاله، وعاراً أوشك أن يصيب أقرب الأقربين إليه، وذلاً سوف يدنس سيرته وسيرة أهله في حياته وبعد موته، فما وجد غير إراقة الدماء سبيلاً لحفظ شرفه الرفيع من الأذى، وحفظ ماء وجهه وسيرته بين الناس. ولم يكتف عمرو بن هند بذلك، بل سجل ذلك شعراً يردده التاريخ حتى يومنا هذا، في معلقته التي لا يُعرف بغيرها كشاعر، متفاخراً بما صنع، ومعتزاً بكرامته وشرفه، وبإبائه، ومنها قوله:
وكان العربي الأبي يعشق الحرية، تلك الجوهرة الروحية التي يحيا بها ولها، ويموت من أجلها، إنها فطرة الله التي فطره عليها ولا يرضى لها بديلا، فلا يرضى قيداً ولا يقبل سلطاناً عليه، ويأبى أن يعيش ذليلاً مهاناً، أو أن يُستصغر ويُتحقر من أحد، فيرفض الضيم طبعاً، ولا يقبل أن يُسام الخسف (الذل والهوان)، ولو كلَّفه ذلك حياته، أو أن يهجر البلد التي نبت فيها وعاش، ففي الأرض متسعٌ لكلِ عزيزِ نفسٍ. يقول الشنفري (؟- 525م، أي نحو 70 قبل الهجرة):
والشيء بالشيء يذكر، يقال إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، قال: «علموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق»، يقصد بها قصيدته الشهيرة، لما فيها من مكارم أخلاق، والتي مطلعها:
وربما كانت أنفة العرب وإباءهم للضيم، فما جعل للدول الكبرى عليهم من سبيل أو سلطان. قال النعمان بن المنذر، وكان من ملوك الحيرة (582- 609م)، يصف العرب في محادثة له مع كسرى ملك الفرس: «وأما عزها ومنعتها (يعني: بلاد العرب)، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوَّخوا البلاد، ووطَّدوا الملك، ولم يطمع فيهم (أي: العرب) طامع، ولم ينلهم نائل».
وجاء الإسلام، فهذّب هذا الخلق الكريم، وجعله من الخصال التي يقتضيها الإيمان الصادق، فكانت العزة في الإسلام تتجاوز عزة الفرد الذاتية أو عزة قبيلته وقومه إلى العزة الأرحب والأوجب، التي حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (سورة المنافقون: آية 8).
** **


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.