في دوران شبرا (شمال القاهرة) وقبل بدء موعد حظر التجوال بنحو نصف ساعة، تصل مدرعتان تابعتان للقوات المسلحة بغرض التأمين والمراقبة. مشهد مركبات الجيش في قلب حي مصر التجاري السكني البالغ الازدحام بالتأكيد شديد الغرابة، وقد يثير مقداراً كبيراً من الشعور بالرهبة أو بعضاً من الإحساس بالصدمة، لكنه يثير لدى كثيرين من شباب شبرا مقداراً كبيراً أيضاً من الشعور بالبهجة وبعضاً من الإحساس بالألفة. فبعد ساعتين أو ثلاث، تجد مجموعات شبابية تجمعت لالتقاط الصور الفوتوغرافية على خلفية تلك الدبابة أو على متن تلك المدرعة. مطالبة الضابط لهم بأن يبرحوا المكان احتراماً لقرار حظر التجوال يؤدي إلى ردود على غرار «إيه يا برنس؟ إحنا بنحبكم ونعزكم وعهد الله ونفسنا نتصور معكم»... وفي حي المهندسين الذي شهد إطلاق نيران من قبل مسلحين اعتلوا عمارات سكنية في وضح النهار قبل أيام، احتمى من كان موجوداً في الشارع حلف سيارة أو في مدخل عمارة ولكن مع الاحتفاظ برأسه خارج مخبأه للاطلاع على ما يحدث دقيقة بدقيقة. وما هي إلا دقائق، حتى كان شارع «جامعة الدول العربية» الأشهر قد اكتظ بمئات من الشباب والصبية، الذين جاؤوا من كل حدب وصوب إما لمشاهدة ضرب النيران مشاهدة حية أو للمساهمة في القبض على المسلحين إن لم يكن بالقطع الخشبية فبالأفكار الخزعبلية المنقولة من حركات «جاكي شان» أو المحفوظة من أفلام «أحمد السقا». مناشدات قوات الجيش والشرطة لأولئك الشباب المتحمسين الذي طغى حب استطلاعه على حبه للحياة، قوبلت بالامتثال لعدم التدخل، لكن أحداً لم يبرح مكانه. ومن ثم يستحق مشهد ضباط الجيش والشرطة وهم يبرحون العمارة السكنية بعد ما ألقوا القبض على الشاب المسلح ويواجهون صعوبات عارمة وعثرات هائلة، لا في اقتياده بل في محاولة المرور بين مئات الشباب الذين ترجموا رفضهم للإرهاب محاولة للفتك بالشاب. وإذا أضيف إلى هذين المشهدين مشهد ثالث تزاحم فيه الآلاف من الشباب من الباعة الجوالين والسكان والمارة في ميدان رمسيس على أبواب «مسجد الفتح» أثناء احتماء عدد من أنصار الدكتور محمد مرسي به قبل أسبوعين، وذلك بغرض تقديم يد العون إلى قوات الجيش والشرطة لإخراج من في الداخل والقبض على المسلحين منهم أو رغبة في الفتك بهم بعدما أثار بعضهم الرعب في الميدان ورفعوا أعلام القاعدة وخلعوا بلاط الأرصفة وأشعلوا النيران لحماية أنصارهم. كلمة السر في المشاهد الثلاثة هي شباب مصر «الجدعان» من أبناء المناطق ال»شعبوعشوائية»، وهي تلك المناطق التي زحفت على القاهرة الكبرى وتمددت بعرضها وطولها، وتوغلت في أواصرها كتجمعات عشوائية في البداية ثم تأصلت وتجذرت فتحولت إلى أحياء عشوائية راسخة قوية ذات سمات وصفات تميزها عن غيرها، ثم التحمت بأحياء شعبية جغرافياً وثقافياً، وهي تلك الأحياء التي لم تكن بالضرورة عشوائية، لكن النوعين امتزجا وتآلفا وأنتجا أجيالاً عدة خرجت إلى بقية الأحياء من تلك التي تقطنها الطبقتان المتوسطة والعليا بحثاً عن الرزق. وأتت ثورة يناير وما تلاها من خلل أمني ثم انشغال رسمي بمواجهة الأحداث السياسية والأمنية الساخنة على الأرض، ليعتبر الخارجون من محدودية المناطق العشوائية إلى رحابة القاهرة الكبرى أن لديهم صكاً من صكوك فرض سطوتهم ونشر سيطرتهم الثقافية والسلوكية على الجميع، إن لم يكن فعلياً فبالبلطجة (ويسمونها جدعنة)، فنفسياً عبر مظهرهم المتميز وطريقة كلامهم المتفرد وسلوكهم المنقطع النظير. فمصر التي غطت التجمعات العشوائية أرجاءها ليصل عددها إلى 1221 منطقة، تحظى القاهرة وحدها ب81 منطقة منها، بالإضافة إلى 32 منطقة في الجيزة المتاخمة، تعاني ليس فقط إرهاباً داخلياً من قبل جماعات دموية، بل أيضا إرهاباً سكنياً وسلوكياً وثقافياً من قبل سكان العشوائيات الذين هم ضحايا أنظمة سياسية سابقة تجاهلتهم وقهرتهم. فمن بين 15 مليون مصري يسكنون العاصمة، هناك ثمانية ملايين يقطنون عشوائياتها التي باتت تحتل نحو 45 في المئة من مساحتها الكلية. الرئيس السابق لمركز بحوث الإسكان والبناء والتخطيط العمرانى الدكتور أبو زيد راجح أجرى دراسة عن «إسكان محدودي الدخل» وتبين فيها إن 18 في المئة من الأسر المصرية تعيش في غرف مشتركة وغير آدمية. انتهاك الخصوصية وسيطرة طابع العنف والقسوة على العلاقات بين السكان والأسر في تلك التجمعات، والشعور العام بالإحباط والدونية، كلها عوامل تؤدي إلى إنتاج شخصيات غير سوية وتفريغها في المجتمع كله، حسبما أكدت دراسة أجراها «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» عن سكان العشوائيات. وعلى مدى عقود مضت، حذرت الدراسات والأبحاث عن مغبة انتشار العشوائيات في مصر وتضخمها على الأمن، لا سيما إن البيئة المعيشية فيها تُعدّ الأكثر مناسبة لتجهيز إرهابيي المستقبل. المشاهد الثلاثة التي جرت أحداثها في شوارع القاهرة الكبرى لا تشير – لحسن الحظ- إلى منتج هذه المناطق من الإرهابيين، لكنها تشير إلى منتج آخر ألا وهو شباب ومراهقون ولدوا وكبروا ونشأوا في غفلة من التعليم والتربية، واحتفظ كثيرون منهم –ربما بالفطرة- بروح وطنية مغلفة بمقدار من الشهامة و «الجدعنة» المصرية الشهيرة، لكنها لم تجد من يوجهها أو يهذبها، فخرجت تعبر عن نفسها في صورة إصرار على التجمع بالآلاف في مكان يتم فيه إطلاق النيران بعشوائية وكثافة بغرض الفرجة والمساعدة في «المهندسين»، والتجمهر على أبواب المسجد للنيل من أنصار الإخوان الذين عرقلوا عملهم وأكل عيشهم في ميدان رمسيس، والإصرار على التقاط الصورة الفوتوغرافية على خلفية الدبابة والمدرعة في «شبرا». إحصاءات المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية تشير إلى ما يزيد على ربع شباب مصر يعانون مشكلة البطالة وأغلبهم من شباب المناطق العشوائية، وأكثريتهم المطلقة تمارس نشاطات اقتصادية في الشوارع الخلفية وعلى الأرصفة (باعة جوالون). قنبلة شباب العشوائيات التي لم تعد قنبلة موقوتة، بل قنبلة منفجرة، تنتظر تدخلاً سريعاً وحاسماً لعلاج ما نجم من تلوث اجتماعي وتدن سلوكي وثقافة مشوهة تم علاجها في سنوات ماضية علاجاً أمنياً قائماً على العزل والترهيب، ولما تخلخل الأمن، زال الغطاء عن «الحلة البريستو» لتنضح بعناصرها المشتعلة التي جرى ضغطها وخنقها وقهرها. المشاهد الثلاثة ستتكرر في الأيام المقبلة. سيظهر أولئك الشباب والصبية حسهم الوطني الفطري وميلهم المصري الغريزي لل «جدعنة»، لكن الدب قتل صاحبه من قبل، ويبدو المطلوب حالياً تدريبه على كيفية التعبير عن الحب من دون أن يقتل من يحب مع ضمان معيشة آدمية له كي لا يقدم على قتل من يحب عامداً متعمداً.