مثلما يُستخدم الجمل سفينة الصحراء في مصر والاردن كوسيلة من وسائل التشويق السياحي… هكذا يستخدم الفيل في بوتسوانا وتنزانيا وجنوب افريقيا، كوسيلة سياحية لاجتذاب الزوار الاجانب. وقد تفوقت جنوب افريقيا في هذا القطاع، فراحت الشركات تتبارى في تقديم خدماتها عن طريق الاعلان عن مواصفات الفيلة واحجامها ومهارتها، تماماً كما تعلن شركات السيارات عن الخصائص التي تتميز بها مركباتها. السيد ميشال خلاط الذي يملك مزرعة وسيعة في ضاحية لندن، تضم اكبر واجمل مجموعة لطيور "ألغازن" قرر ان يقضي اسبوعين في جنوب افريقيا برفقة زوجته ديانا. وقادهما اغراء الشركات الى القيام بمغامرة وسط الادغال على امل مشاهدة "طرزان" يقفز من شجرة الى شجرة. وفي مكتب اهم شركة تنظّم هذه الرحلات، قدّم المدير بضعة نماذج وترك لهما الخيار لانتقاء واحد منها، تماماً مثلما ينتقي المسافر نوع الطائرة التي تعجبه: الفيل الاول اسمه "أبو". وُلد العام 1960، ثم نُقل الى تكساس في الولاياتالمتحدة حيث جرى تدريبه على القيام بحركات مضحكة. واستغله صاحبه في افلام سينمائية عدة اشهرها "دوائر في الغابة". ولما أُعيد الى جنوب افريقيا أثبت انه صالح للعمل في شركة "فيلة السفاري". الفيل الثاني - من مواليد يوغندا - يتميز بخرطومه القصير وسرعة جريه. خدم في حديقة الحيوانات في تورونتو في كندا، قبل ان يعود الى محيطه الطبيعي في افريقيا. اما الفيل الثالث فتدرب في حديقة الحيوانات في شيكاغو. وهو يتميز بضخامة اذنيه، وبمزاج عصبي لانه يرفض التكيّف داخل محيط غير محيطه. ولما أُعيد الى افريقيا تحول غضبه إلى عناد وشراسة. الفيل الرابع يحمل اسماً غريباً يعني باللغة المحلية "الوسخ". وتقول سيرته انه وُلد العام 1972 في ناميبيا، وبسبب طبيعته السلبية، ومزاجه العداوني اوصت وزارة السياحة بضرورة انهاء خدماته. ووقع اختيار ميشال خلاط على هذا الفيل ليكون في خدمته وخدمة زوجته مع دليل ومرافق. بدأت الرحلة من حديقة الشركة. وبعد استخدام سلم خشبي للصعود الى ظهر الفيل، جلس ميشال وديانا في الهودج الذي يشبه هودج الجمل. وبعد ان شدّا الاحزمة، وأخرجا آلة التصوير من الحقيبة، اوصاهما الدليل بالتزام الحذر، لأن الغابة مليئة بالمفاجآت. وقبل ان ينهي عبارته استدار الفيل نحوه وغرز نابه في بطنه ثم رفعه في الهواء ليحكم ادخال جسده الدامي في نابه العاجي المُسنّن. وسمع صوت المرافق وهو يلفظ انفاسه ويشير بيده الى المرافق ليطلق النار. وبرّر الدليل اأحجامه عن اطلاق النار بأنه كان يخشى ان يردي الحيوان الضخم فيهوي بجثته على السائحين المذعورين و"يمعسهما" تحت ثقله. اما الفيل نفسه فقد زاد جنونه، وراح يعدو في الغابة الكثيفة محطماً الاشجار والاغصان، وكل ما يعترض سبيله. وبعد ان توغل ميلين توقف فجأة كأنه تأكد من موت الدليل الذي يحمله بنابه. لا لزوم لوصف الحالة المزرية التي استبدت بالسائحين اللبنانيين وحملتهما الى الهرب من جنوب افريقيا الى لندن. وكان من الطبيعي ان تترك هذه الحادثة المرعبة تأثيرها الجسدي والنفساني عليهما. قبل أيام، فوجئ ميشال خلاط وزوجته بوصول رسالة من مكتب السياحة في "كيب تاون" يعتذر مرسلها راندال موور عن الحادث المؤلم الذي تعرضا له، ويخبرهما بأن فيلاً آخر قتل دليلاً سياحياً لأنه باغته بظهوره المفاجئ من خلف الادغال. وبعد ان كرر "موور" اعتذاره عما حدث لهما، تمنى ميشال وديانا الا يتأثرا بما حدث، خصوصاً ان الفيل الذي امتطياه أُعفي من الخدمة. وعبارة "أُعفي من الخدمة" هي الصيغة المخففة لاعلان اعدام الفيل الذي أساء التصرّف وشوّه سمعة الشركة السياحية التي وظّفته. وظل ميشال يعاني من آثار هذا الكابوس المروع الى ان شفته منه الزيارات المتكررة لأقفاص العصافير الجميلة التي تحيط بمنزله في منطقة "بركشاير"… واستعداده لاطلاق كتابه الثاني في تشرين الاول وعنوانه: "الدرهم المعْرب". وبما انه يملك مجموعة نادرة تضم 600 درهم صُكّت منذ العام 77 ه على عهد عبدالملك بن مروان، فقد قرر نشر صورها في كتاب