ربما يبدو صعباً الربط بين الاتفاق العسكري الاسرائيلي - التركي وموافقة الأردن على استضافة طيارين أميركيين وانعقاد اجتماع المعارضة العراقية في دمشق. لكن اضافة هذه التطورات الثلاثة الى موقف سورية في مفاوضات السلام ورفضها التراجع عنه وتقديم "تنازلات"، حسب طلب رئيس الوزراء الاسرائيلي شمعون بيريز، يجعل الأمر أكثر منطقياً، خصوصاً اذا اخذ في الاعتبار موضوع علاقة دمشق مع "جبهة الرفض"، فصائل ودولاً. وعلى رغم الخلافات القوية التي ظهرت بين الفصائل العراقية العشرة المعارضة، خلال اجتماعاتها الأخيرة في دمشق، فان سورية استطاعت ابلاغ "الآخرين" انها قادرة على جمع التيارات الاسلامية والكردية والقومية، على رغم ما بينها من خلافات ايديولوجية وفكرية. والى ذلك، فان المسؤولين السوريين الذين نسقوا مع أطراف المعارضة العراقية قبل اجتماعهم ووافقوا على ابعاد "الحزب الشيوعي" السكرتير العام حميد مجيد وفقاً لطلب القوى الاسلامية خصوصاً "حزب الدعوة الاسلامي" بزعامة الشيخ محمد مهدي الاصفي عن الاجتماع كي لا يضحوا بفشل الاجتماع، أرادوا ابلاغ الولاياتالمتحدةوتركيا بأنهم قادرون على جمع الطرفين الكرديين المتقاتلين في شمال العراق، فضمت لقاءات الفصائل العشرة، رئيس "الاتحاد الوطني الكردستاني" السيد جلال طالباني وعضوي المكتب السياسي في "الحزب الديموقراطي الكردستاني" نيتشرفان برزاني وسامي عبدالرحمن، الذين يستعدون لبدء مفاوضات من خلال وساطة يجريها مسؤول ملف العراق في الخارجية الأميركية روبرت دويتش في منتصف الشهر الجاري. الا ان التطورين اللذين تعتبر سورية انهما يشكلان خطراً عليها، هما موافقة انقرة على قيام الطائرات الاسرائيلية بمناورات في المجال الجوي التركي مع استخدام المطارات والقواعد التركية. وثانياً موافقة الأردن على قيام طيارين اميركيين بمناورات في الأجواء الأردنية. وأظهرت ردود فعل سورية على الاتفاقين الأردني - الأميركي والاسرائيلي - التركي، انها بدأت تشعر فعلاً بقوة الضغوط التي تمارس عليها، وبالنتائج الفعلية لقمة شرم الشيخ التي لم تحضرها، وبأن التطورات على جبهتيها الشمالية والجنوبية تستهدف الضغط لاحداث تغيير في موقفها من مفاوضات السلام من جهة، وموقفها من المنظمات المعارضة لعملية السلام وعلاقتها مع الدول الرافضة للعملية من جهة ثانية، أي ان تلك الضغوطات تستهدف التأثير في رؤية دمشق للحل السلمي وللعلاقات الاقليمية بعد تسوية الشرق الأوسط المنتظرة. وأكدت مصادر سورية وجود "رابط قوي" بين الاتفاقين على جبهتي سورية يتعلق بپ"ارهاب البلدان التي رفضت الانجرار الى مواقع اسرائيل وتمسكت بأسس عملية السلام بما يؤدي الى انسحاب اسرائيل الكامل" من الأراضي السورية واللبنانية المحتلة، وزاد ان ذلك "سيكون بؤرة خطرة للتوتر يشجع اسرائيل على ابداء مزيد من التعنت…". واستغربت العودة الى "سياسة الأحلاف" في وقت تسعى الدول الى ازالة كل القواعد العسكرية القديمة. وكانت اسرائيل علقت المفاوضات مع سورية بعد عمليات "حماس" و"الجهاد الاسلامي" الانتحارية في نهاية شباط فبراير الماضي، وأبدت دمشق استعدادها لاستئناف المفاوضات فيما رأى المسؤولون الاسرائيليون ضرورة التركيز على الانتخابات المقررة في أيار مايو المقبل. ونشطت سورية لحشد رفض عربي للاتفاق التركي - الاسرائيلي وأعلنت مصادر رسمية ان معاون وزير الخارجية السيد عدنان عمران استقبل سفراء وممثلي الدول العربية في دمشق وشرح لهم موقف بلاده بشكل مماثل لما حصل عندما بدأت سورية حملتها الديبلوماسية رداً على تصريف تركيا مياهاً ملوثة الى الأراضي السورية وتهربها من الدخول في مفاوضات جدية لتقاسم مياه الفرات مع بغدادودمشق. لكن "الوسط" علمت ان عمران استقبل أيضاً السفير التركي في دمشق أوغور زيال، وأبلغه الموقف السوري المستند الى النقاط الآتية: - حرص دمشق على علاقات حسن الجوار مع انقرة ورفضها المساس بأمن تركيا وعدم السماح باستخدام الأراضي السورية للاساءة الى الأمن التركي، والتفريق بين المشاكل الداخلية التركية المتعلقة بقيام حزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوجلان بحرب ضد الحكومة التركية منذ العام 1984. - عدم توقيع سورية "أي اتفاق جديد" مع اليونان، وهو موقف سبق لدمشق ان أبلغته الى الخارجية التركية التي تفهمته في ضوء فهم العلاقة السورية - اليونانية الجيدة. - اسف سورية وقلقها ازاء موافقة تركيا على استخدام اراضيها من قبل الطائرات الاسرائيلية واعتبار ذلك موجهاً ضد السوريين تحديداً وموقفهم في مفاوضات السلام. - أسف سورية لعدم اتخاذ انقرة القرار حسب المنظور التاريخي - الاسلامي للعلاقة بين السوريين والأتراك، ومطالبتها باعادة النظر في الاتفاق مع اسرائيل وفي الاتفاقات الأمنية والعسكرية الأخرى. - تأكيد سورية مجدداً ضرورة التوصل الى اتفاق عادل ومقبول لتقاسم مياه الفرات مع تركيا للعمل به بدلاً من الاتفاق المرحلي لعام 1987 الذي نص على تصريف 500 متر مكعب في الثانية، والتوقف عن تصريف مياه ملوثة الى الأراضي السورية. واستعداد سورية الدائم لتطوير حوار ثنائي بنّاء مع تركيا استناداً الى حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.