يصف مستثمرون عالميون أسواق المال العربية بأنها "صغيرة"، لكنهم يؤكدون أن "امكانات المنطقة ضخمة، في حال توافر لها الاستقرار السياسي". ويطالبون بضرورة رفع القيود المفروضة على البورصات العربية واجراء اصلاحات اقتصادية لتوسيع دور القطاع الخاص اذا كان العرب جادين في جذب رأس المال الاجنبي. ويقول مديرو صناديق الاسواق الناشئة "ان اسواق الاموال الاقليمية ليست لها شفافية وتعاني من عجز في السيولة باستثناء اسرائيل، وتعطلها بشدة السيطرة والقيود التي تفرضها الحكومات على الملكية الاجنبية". غير ان المستثمرين العالميين يجمعون على "ان امكانات المنطقة ضخمة يدعمها الاستقرار السياسي بعد عمليات احلال السلام في الشرق الاوسط". ويلتقي المستثمرون العالميون بذلك مع المؤسسة العربية لضمان الاستثمار التي اشارت في تقرير وضعته عن مناخ الاستثمار في البلدان العربية الى أن هناك شعوراً عربيا يزداد بقوة وفحواه "ان التعاون الاقتصادي في منطقة الشرق الاوسط لن يتم الاّ بعد تحقيق السلام الشامل والعادل ونزع اسلحة الدمار الشامل". لكن الدراسة أوضحت: "ان الصراع العربي - الإسرائيلي كانت له آثاره السلبية على مناخ الاستثمار، وان ما أفرزه الصراع من حروب وانفاق عسكري ضخم، اهدر موارد كان يمكن استغلالها في التنمية، وكان السبب الابرز الذي جعل المنطقة طاردة للاستثمار". وتبدو المعادلة الاقتصادية مستمرة: طالما ان النفط العربي يتدفق الى الخارج، والبلدان العربية بحاجة الى تنمية امكاناتها الاقتصادية والانتاجية لتلبية حاجاتها الاستهلاكية وتطوير اقتصاداتها، فإن فرص الاستثمار متوافرة ومتنوعة. ولا شك في ان الاستثمار هو المدخل الرئيسي لتشجيع النشاط الاقتصادي. وتمتاز دول التعاون الخليجي بامتلاكها رؤوس اموال كبيرة جاهزة للاستثمار، ووفقاً لاحصاءات صندوق النقد العربي، فإن اجمالي استثمارات دول مجلس التعاون في الخارج بلغت 350 مليار دولار، منها 160 مليار دولار للقطاع الخاص وحده، اما احصاءات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية فأشارت الى أن حجم الاموال العربية المستثمرة في الخارج يقترب من 800 مليار دولار، يحتفظ بها بشكل اصول سائلة او شبه سائلة، كالودائع المصرفية والاوراق التجارية الحكومية والارصدة لدى صندوق النقد الدولي والاستثمارات في امتلاك الاسهم والعقارات. لذلك دعا مصرف الامارات الصناعي الى إعادة رسم خريطة الاستثمارات الخليجية، مع كل ما يترتب على ذلك من اتخاذ قرارات حيال مختلف الانشطة الاقتصادية بما فيها مصادر تمويل الموازنات السنوية لدول المجلس. وفي ظل ازدياد مخاطر الاستثمار في الخارج، خصوصاً المخاطر التي تعرضت لها الاستثمارات العربية في الدول الصناعية المتقدمة، برزت صحة الدعوة إلى توطين الاموال العربية في اقطارها العربية. وأضحى من الثابت ان استثمار الاموال العربية خارج وطنها وضع غير منطقي فرضته ظروف التخلف والتجزئة، وعمقت اتجاهاته بعض القرارات الاقتصادية وغير الاقتصادية المرتجلة، ذلك انه حتى إذا تم اغفال كل الاعتبارات القومية على أهميتها، وتم اعتماد مختلف المعايير الاقتصادية على كثرتها، يبدو استثمار المال العربي في المشاريع العربية أفضل سبل الاستثمار، ليس من حيث الربح التجاري والمردود الاقتصادي فحسب، بل ومن حيث الأمن أيضاً. انشاء مؤسسات وسيطة من هنا يرى خبراء المال والاقتصاد ان الضرورة تحتم الاسراع في عملية اقامة وتطوير اسواق رأس المال المحلية، ذلك ان المراكز العالمية استطاعت ان تحقق تقدماً هائلاً خلال السنوات الاخيرة، فأصبح في مقدورها ان تقدم الخدمات للمستثمرين بصورة أشمل وأكثر كفاءة. وحتى تتمكن الاسواق المالية الخليجية من منافسة تلك المراكز، فهي تحتاج الى زيادة عمقها وتنويع ادوات الاستثمار والمديونية المتوافرة فيها وتشجيع المستثمرين المحليين على المشاركة في نشاطات السوق الثانوية، وهذا كله يتطلب زيادة خبرة مؤسسات الاقراض والمقترضين والهيئات الاشرافية، كما تقتضي الضرورة انشاء المؤسسات الوسيطة لتعمل كجهات ضامنة للاكتتاب في الاصدارات المالية او مديرة للصناديق الاستثمارية او كسماسرة للأوراق المالية او كجهات استثمارية. وتوضيحاً لرأي بعض المستثمرين العالميين فقد شهد الكثير من اسواق الاسهم العربية ازدهاراً في انشطتها خلال السنوات الاخيرة. ويتوقع تصنيف بعضها في عداد الاسواق الصاعدة، خصوصاً بعدما قامت مؤسسة التمويل الدولية بإدراج الاردن ضمن مؤشر اسواق الاسهم الصاعدة في عشرين بلداً نامياً، واتضح من حجم الاكتتاب الذي تجاوز الاموال التي كانت مطلوبة في اصدارات الاسهم التي طرحت حتى الآن، وجود مؤشرات قوية إلى توفير رؤوس اموال ضخمة تبحث عن الفرص الاستثمارية المناسبة ففي كل من مصر والمغرب والسعودية وتونس ولبنان والاردن تدافع المستثمرون لشراء اسهم الشركات التي جرى تخصيصها في الفترة الاخيرة وتلك التي تم اصدار اسهم جديدة لزيادة رأس مالها، وفي الكثير من الحالات تجاوز الاكتتاب الفعلي المبلغ المطلوب بما يتراوح بين سبعة الى عشرة أضعاف. ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور هنري توفيق عزام رئيس الدائرة الاقتصادية في البنك الاهلي التجاري السعودي ان التطورات المالية الجارية في مناطق اخرى من العالم وخصوصاً انفتاح الاسواق بعضها على بعض وتدفق رؤوس الاموال عبر الحدود من دون موانع جعلا العالم اليوم بمثابة قرية صغيرة... ويرى الدكتور عزام في دراسة قدمها الى مؤتمر اسواق رأس المال العربية الذي انعقد أخيراً في بيروت ان ما تحتاجه الدول العربية اليوم هو وجود مؤسسات مالية تتمتع بالابتكار بحيث تستطيع مواجهة الاحتياجات المالية المتغيرة لدول المنطقة، سواء كان ذلك من خلال تمويل المشاريع، او تقديم عروض البناء والتشغيل أو اصدار اوراق مالية ذات اسعار فائدة ثابتة او عائمة، او اي شكل آخر من التمويل، كما يتعين ايجاد خدمات مصرفية استثمارية متطورة، بما في ذلك خدمات التحليل المالي للشركات المدرجة والقطاعات الاقتصادية واتجاهاتها وتحليل التغيرات في اسواق المال العربية لفهم التقلبات في الاسعار على المدى القصير والبعيد وتقديم هذه الخدمات بصورة دورية للعملاء. ربط البورصات وتنفيذاً لمقررات مؤتمر استراتيجيات تنشيط البورصات العربية الذي انعقد في عمان في نيسان ابريل 1994 تجري حالياً مباحثات لتطبيق سلسلة اجراءات لتحقيق مشروع الربط بين البورصات العربية. ويؤكد خبراء البورصات والاسواق المالية أهمية تنفيذ هذا المشروع انطلاقاً من أن الواقع الحالي لمعظم البورصات العربية يختلف عن الوضع السابق، إذ أن بعض البورصات العربية بدأ خلال السنوات الاخيرة بالنهوض والتطور، حيث ازداد حجم معاملاته بشكل ملحوظ نظراً إلى لتوسع في انشاء الشركات المساهمة العامة، وزيادة معدلات تداول الاوراق المالية. لكن عملية الربط بين اسواق الاوراق المالية تواجه عدداً من المعوقات التشريعية والهيكلية والمتمثلة في وجود قواعد ونظم خاصة بالادراج والتداول في كل بورصة عربية لا تتلاءم مع القواعد والنظم الخاصة في البورصات الاخرى، والاعتماد على التمويل الأقل كلفة في تمويل تأسيس الشركات المساهمة واصدار الاسهم العادية من دون اللجوء الى الاستفادة من رغبة المستثمرين في تنويع محافظهم المالية بالادوات المالية المختلفة مثل السندات، اضافة الى عدم استفادة المصارف العربية من وجود اسواق الاوراق المالية كمصادر مالية طويلة الاجل او باعتبارها منافذ استثمارية متنوعة تضاف الى الخدمات التي تقدمها في العادة المصارف الدولية وتأخر برامج التخصيص في الدول العربية وعدم اشراك القطاع الخاص في تحمل مسؤولية التنمية كواجب وطني. إن ربط البورصات يجب ان يبدأ بترتيب البيت من الداخل بحيث تقطع الاسواق المالية العربية شوطاً كبيراً في عملية التطوير الذاتي وعلى كافة الاصعدة التشريعية والتنظيمية والرقابية، اضافة الى خلق الوعي بأهمية هذه الاجهزة على المستويين الرسمي والشعبي. وعندها يتم التقارب مع البورصات الاخرى وتتلاقى الانظمة وتتوافق النصوص التشريعية.