تخيل لو كنت شاباً وذهبت لمحل خياطة لتفصل لك ثوباً، فوجدت مكتوباً في ملاحظة"نحن لا نفصّل سوى أثواب فوق الكعب"، ثم خرجت للحلاق فوجدت مكتوباً"عفواً نحن لا نحلق اللحى"، ثم ذهبت لمكتب تأجير الشقق، فوجدت مكتوباً،"ممنوع تركيب الدشوش"، ثم ذهبت للبقالة ووجدت"عفواً نحن لا نبيع السجائر"، ثم ذهبت لشراء سلعة من الفيصلية فوجدت"ممنوع دخول الرجال وحدهم لحمايتهم من الفتنة"، ثم ذهبت لمحل بيع الأشرطة فوجدت"لا نبيع أشرطة الموسيقى والأغاني". واشتريت مجلة فوجدت صور النساء على صفحاتها مطموسات بالحبر الأسود، فهل ستظن أن هذا المجتمع قد نجح في أن يكون مجتمعاً للفضيلة؟ أم أن هذه الأخلاق مفروضة، بل وأصبحت عنواناً للرياء الاجتماعي الذي ينقلب ضده حين يختلي الإنسان بنفسه بعيداً عن الرقابة؟ هل ستسأل نفسك إن كان من واجب الدولة حماية الدين وجوهره وموضوعه أم حماية الناس من أنفسهم؟ وما هو مستقبل هذا الشاب الذي تعوّد أن يتخذ المجتمع عنه المواقف لحمايته وتحويله لمسلم مثالي في العلن على الأقل؟ مع الوقت سيتحول هذا الشاب لذهنية مستسلمة لا تعرف الخير من الشر إلا بحسب ما تحدده لها أنظمة الشارع والسوق، ما هو متاح خير وما هو ممنوع شر؟ مع الوقت تتحول هذا الذهنية إلى ذهنية مسلوبة الإرادة، والاختيار تقديرها لذاتها لا ينبع من داخلها بحسب معاييرها العقلية، ضميره لا يمر بأي اختبار عملي يصل هو لنتيجته فيدرك بعدها سعادة الفوز وحزن الخسارة، الامانة بالنسبة له مفهوم غامض، لم يفهمه يوماً إلا بحسب اتباعه لنصح الوعاظ، بل هي ما يقررها شيخه. هل قطع إشارة المرور حرام أم حلال؟ سؤال يحتاج إلى فتوى، فلا أهمية للعبرة بالنتائج التي يلمسها بحواسه والتي تقول له بأن قطعه لإشارة المرور يعرض النفس والآخر لخطر الدهس وقد ينتج عنها الموت. لو جلس هذا الشاب وحيداً مع نفسه، يتأمل في الكون فلن يُحضر في عقله سوى مفردتين حلال أم حرام، إذا فتح التلفزيون ورأى امرأة سافرة، واكتشف أنها جميلة فسيجزع من تقديره لمعيار الجمال والقبح، سيركض يسأل شيخه: هل يجوز النظر للنساء في التلفزيون، ومن شدة تكريس عزلة النساء صار بعضهن يسألن، هل يجوز كشف شعرهن أمام خالهن وعمّهن من الذكور؟ البحث عن قالب أو نمط محدد ومرسوم بكاركتيرية صادمة، هي الصيغة الوحيدة التي يرتاح لها الضمير، كل شيء يجب تحديد مساحة الحلال فيه من الحرام. الجلوس مع الأخ الحديث مع البائع النظر للرجل في التلفاز، التسبيح باليد اليسرى، أكل لحم البطريق؟ كل شيء يجب أن يقال في شأنه قولاً طويلاً يحسم الريبة والشك. لكن ليس كل الناس هم قادرون على العيش مع الأقوال الكثيرة بشأن الحياة، وليست كل ذاكرة قادرة على حفظ الأحكام الكثيفة والاختلاف فيها، بدءاً من اللباس وانتهاء باستخدام السواك ولبس المشدات الداخلية. وحين تحتشد الأقوال الكثيرة على عقول البسطاء من الناس، فإن تجنب هذه الأمور أسلم، والابتعاد عنها يصبح هو عنوان الفضيلة الناصعة. ولا بأس من الحياة في حيز ولو بحجم قبر أو سجن انفرادي. بدرية البشر [email protected]