صدرت المجموعة الأولى من التمهيد لموسوعة العرب في التاريخ ، في طبعة جديدة عن دار"القوافل"ضمن سلسلة عنوانها:"العرب في أحقاب التاريخ"، التي وضع المؤرخ أمين مدني خطتها التي تنقسم إلى خمسة أجزاء، لكنه توفي بعد أن أصدر الأجزاء الثلاثة الأولى، التي تتوافر بين يدي القارئ الآن في طبعتها الثالثة القشيبة، وهي: الجزء الأول: التاريخ العربي وبدايته. الثاني: التاريخ العربي ومصادره. الثالث: التاريخ العربي وجغرافيته. وهو ما أكده المؤلف في مقدمة الطبعة الأولى من الجزء الأول، الصادرة عام 1385ه، إذ يقول:"وبحمد الله فقد انتهيت من تسويد القسم الأول مصنفاً في خمسة أجزاء". في الجزء الأول"التاريخ العربي وبدايته"تناول المؤلف مفهوم التاريخ ثم بداية الإنسان منذ خلق آدم، وتباين الرؤى في التاريخ الموغل في القدم الذي ترد إشارات عنه في الكتب المقدسة، وبين التاريخ الذي حصل عليه الإنسان من خلال الآثار، وحدود عصور ما قبل التاريخ ونهايتها وبداية العصور التاريخية والحد الفاصل بين هذه وتلك. ويرى أمين مدني أن الحضارة وما يمثلها من أديان وخطوط ولغات وشعر وأنشطة اقتصادية هي من علامات بداية التاريخ، لأنه لا يمكن لأمة أن تبدأ تاريخها ما لم تكن متمدنة ولها مجتمع ودين يعبران عنها. وقد استعان المؤلف بالمصادر والمراجع العربية، كما استعان بالمراجع الأجنبية المعربة، وعبّر عن ذلك بقوله:"وما نقل في هذا الكتاب عن التاريخ الجاهلي القديم نقل واضح المصدر المنقول عنه، وواضحة نتيجته التي انتهى عندها البحث، وواضحة أدلته التي انبنى عليها الاقتناع، بما اعتمد عليه مما جاء في مصادرنا العربية ومما جاء في تحقيقات المستشرقين، على أن أقابل ما جاء في مؤلفات المستشرقين بما في مصادرنا العربية كلما وجدت لذلك سبيلا". وفي هذا الجزء توصل المؤلف إلى نتائج عدة يأتي من مقدمها إثبات صحة الكثير مما جاء في مصادر التاريخ العربي عن عصور ما قبل الإسلام"إذ ثبت لديه أنها لم تكن كلها قصصاً خيالية وضعها الإخباريون العرب، ودلل على ذلك بأن البحوث الأثرية أثبتت صحة بعض تلك القصص والروايات. ومن النتائج التي توصل إليها المؤلف في هذا الجزء أن أحداث التاريخ العربي بدأت واضحة منذ مطلع الألف الثانية قبل الميلاد، إذ شهدت هذه الحقبة انتقال التاريخ العربي من القصة الأسطورية على الخبر الواقعي، وأبرز المؤلف في هذا الجزء إسهام الجزيرة العربية في البناء الحضاري الإنساني المتمثل في نشر العقائد واللغة والخطوط في منطقة حوض البحر المتوسط، وشرق أفريقيا، وغرب آسيا. أما الجزء الثاني من الكتاب"التاريخ العربي ومصادره"فقد صدرت الطبعة الأولى منه في عام 1391ه وتناول المؤلف فيه مصادر التاريخ العربي وهي: القرآن، أسفار التوراة، الأساطير والشعر الجاهلي، بداية التاريخ وتدوينه في المدينةالمنورة بعد الإسلام، التدوين في صدر الإسلام، رواد الثقافة العربية، المؤرخون العرب ورواياتهم، المفسرون، كتاب المغازي والأنساب، نقاد الشعر الجاهلي ورواة أيام العرب، أعلام المؤلفين في التاريخ العربي ومؤلفاتهم، المستشرقون، علماء الآثار والجيولوجيا. وبعد أن فرغ من مناقشة هذه المصادر خلص إلى القول:"فعلى هذا الأساس رسمت مخطط هذا الجزء"فقسمت مواضيعه، وقدمت ما في استطاعة البحث تقديمه لمعرفة مصادر التاريخ العربي ومناهل رواده ومراجع المؤلفين فيه، وقدمت ما في استطاعة البحث تقديمه لمعرفة مصادر التاريخ العربي، ومناهل رواده ومراجع المؤلفين فيه ومسالكهم وأساليبهم والجهد الذي بذلوه في تطوير البحث التاريخي، كلٌّ في ما اتجه إليه واشتغل به". وتطرق المؤلف في هذا الجزء إلى الاتهامات التي وجهت إلى نصوص المؤرخين العرب القدامى، وأشار إلى أنانية النقوش الآشورية والمصرية القديمة في ما يتعلق بعلاقات الآشوريين والمصريين بالجزيرة العربية، وأوضح اعتماد المؤرخين العرب القدامى على بعض ما جاء في أسفار التوراة، وأن هذه الأسفار إنما سجلت بعد موسى عليه السلام بقرون عدة، وأنها دونت بلغات عدة، بحيث لا نكاد نجد نسخة من هذه الأسفار مطابقة لنسخة أخرى دونت قبلها أو بعدها. وناقش آراء المؤرخين العرب المعاصرين واختلف واتفق معهم، ويقول:"فأنا إن رفضت رأي جورجي زيدان في تحقيقه الأخير في موضوع مكتبة الإسكندرية وحريقها، فقد أخذت برأيه في كثير من بحوث هذا الجزء... وأنا إن عارضت عبدالعزيز الدوري وحسين نصار وجواد علي وناصر الدين الأسد في بعض النتائج التي وصلت إليها بحوثهم، فإنني أجلّ معارفهم، وأقدر سبقهم، وأكبر سعة اطلاعهم". أما الجزء الثالث فقد صدر عام 1396ه بعنوان:"التاريخ العربي وجغرافيته". فبعد أن انتهى المؤلف من توضيح بداية التاريخ العربي ومعرفة مصادره جاء هذا الجزء عن التاريخ العربي وجغرافيته، جمع فيه المؤلف ما رآه مفيداً من أقوال جغرافيي العرب القدامى، وما برز من نتائج الدراسات الحديثة التي عنيت بتقويم البلدان، وأبرز دور الجغرافيين العرب الذين لم يقفوا عند ما انتهى إليه اليونانيون، بل انتقلوا إلى مراحل جديدة في علم الجغرافيا، وأشار المؤلف إلى المصور الجغرافي العام الذي وضعه صفوة من الجغرافيين العرب في عهد الخليفة العباسي المأمون ، فكان هذا المصور كما وصفه المسعودي"عن صورة عامة للعالم"... إلى غير ذلك من الأمثلة التي بينت جمع علماء العرب بين التاريخ والجغرافيا مثل المسعودي واليعقوبي. وسعى المؤلف في هذا الجزء إلى أهداف منها إزالة ما حاول الاستعمار القديم والحديث أن يرسخه في عقول الأجيال العربية، من أن العراق وسورية ليستا من الجزيرة العربية وأن دلتا النيل وضفته الشرقية في مصر لا تمتان بصلة إلى العرب والعروبة، وناقش السؤال الذي لا يزال يردده الكثير من الجغرافيين والمؤرخين: هل بلاد العرب جزيرة أو شبه جزيرة؟ وتوصل إلى أنها جزيرة، وختم الجزء الثالث بقوله:"لقد التزمت بإنشاء بحوث قد تكون طويلة ومملة للقارئ المستعجل، ولكنها ضرورية للمتقصي المتفرغ لمعرفة التطور الجغرافي في أرض تصدرت أنباؤها العصور الخوالي، وما زالت بعقائدها ومقدساتها وروايتها تتصدر التاريخ العالمي". وفي هذا الجزء يذكر المؤلف أن روايات أساتذة التاريخ العربي أمثال: ابن جرير الطبري وابن خلدون وابن كثير تفتقر إلى مقابلتها مع النصوص الأثرية ولم يكن ذلك عن تقصير منهم، بل لتأخر اكتشاف النصوص الأثرية التي ظهرت في عصور تالية لعصورهم، في حين أن المؤرخين العرب المعاصرين قارنوا بين الروايات القديمة والنصوص الأثرية وآراء المستشرقين، ومع ذلك فإن الرواد أمثال جورجي زيدان وجواد علي وفيليب حتي لم يقدموا مؤلفات متكاملة لمصادر تاريخ الشرق العربي، ولا مؤلفات متكاملة لجغرافية هذا الشرق في عصوره القديمة.