الأكل شهوة من شهوات الإنسان، والشبع المعقول بعد الجوع متعة لا تضاهيها متعة، وحبيبنا ونبينا"عليه أفضل الصلاة والسلام"أخبر عن فرحتي الصائم وإحداهما حين فطره وابتلال عروقه... ونسمع دائماً عن غذاء الروح الذي يضعه كل إنسان في تصنيف يناسب ثقافته أو مزاجه، وفي رواية أخرى خاصة"مجااااازه". ولست هنا في صدد الحديث عن هذا، إنما قادني مصطلح غذاء الروح إلى البهجة ومن ثم التفكير في الأغذية أو الأكلات المبهجة، أو تلك التي تبعث الفرح والمتعة حتى من دون أسباب معروفة! الأطفال يعتبرون الحلويات والشوكولاته والشيبس أغذية مفرحة، ويسعدون بها كما تعرفون، والنساء يبتهجن بأي وجبة مكلفة مادياً تحقق لهن مآرب المرأة المخضرمة التي تكرر المثل الشهير"انتف ريش طيرك قبل ما يتعرف على غيرك"، إسقاطاً على الزوج بدلاً من الطائر المفترض. نحن الكبار ما الذي يمكن أن يسعدنا عندما نأكله؟ المفترض أولاً وأخيراً أن نكون سعداء بنعم الله وتفضله علينا أن أطعمنا وسقانا بغير حول منا ولا قوة، ثم بعد ذلك تأتي تراتيب الفرح والسعادة، فمثلاً لا أشك أن كبسة"محكورة"في نزهة برية مع العائلة أو الأصدقاء ألذ وأمتع منها في المنزل، وبالتالي أكثر سعادة… وهناك أغذية خفيفة ارتبطت بالسعادة والترفيه، يأتي"الفصفص"في محكيتنا، أو"اللب"في المحكية المصرية في المقدمة، فهو المكون الأساس لتشكيلة المكسرات في مجالس"الحش"النسائية، وأخيراً الرجالية، خصوصاً"الرجالية العاطلة عن العمل والدراسة"، وهو الرفيق الأهم في مباريات الكرة، وفي سفريات الرحلات الطويلة براً. كانت أمهاتنا، وبعضهن لا يزلن ومعهن بعض مدرسينا يشتكون من ملء جيوبنا بالفصفص، وكان هو الشيء الوحيد تقريباً الذي يمكنك طلبه من أي ولد في الحارة من دون خجل، إذ تبادره بعفوية"عطني شوي فصفص"! زميلنا واستأذنا داود الشريان كان له رأي"فصفصي"، اذ كان يعتبر"شوية فصفص"مع سفن آب مع راحة البال أفضل الأوقات الزوجية للشباب، بل في عرفه هي أفضل من سفرة أو عشوة فاخرة يصاحبها"شين نفس". وللفصفص متلازمة غريبة، فأنت لا يمكنك التوقف عن تقشيره أو"تقشيمه"في بعض اللهجات، ما دام أمامك بقية منه، حتى لو تشققت شفتاك من كثرة ملحه أو حموضته، في الماضي كانوا يحذروننا من أن أكل الفصفص مع قشوره يسبب التهاب الزائدة الدودية، وما زلنا نخبر أبناءنا بذلك، على رغم أننا لا نعرف يقيناً هذه العلاقة الطبية، الفصفص جميل ومشوق لدرجة أنني لم اعد قادراً على الاستمرار في الكتابة عنه، لكن لا بد من الإشارة إلى جزئية مهمة يتفق عليها الجميع. وإن أنكروا ذلك بسبب"البريستيج"وهي أن قمة متعة الفصفصة هي ألا تكون مضطراً لتجميع قشوره بيدك، بل وبكل عفوية تلفظه أمامك وفي نهاية الجلسة أو المباراة تبدأ رحلة التجميع، هكذا قال أشهر"المفصفصين"لا"فص"فوه! [email protected]