اطلعت الهيئة القضائية العليا في وزارة العدل على المعاملة المحالة إليها وفق خطاب وزير العدل رقم 915 في 5-8-1992ه المتعلقة باتهام كل من....... و........ بالسرقة. وبدراسة المعاملة وجدت مشتملة على الحكم الصادر من أصحاب الفضيلة رئيس وقضاة المحكم الكبرى بجدة رقم 99 في 12-4-1992ه القاضي بقطع يد كل من المذكورين أعلاه وبإحالة الحكم مع المعاملة إلى هيئة التمييز لاحظت عليه بقرارها رقم 377 في 29-6-1992ه المتضمن أن إقامة الدعوى من المدعي الخاص شرط للقطع، وان من شروط القطع ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو باعترافه مرتين، وأن لا يرجع عن إقراره حتى يقطع، فإن رجع عن إقراره قُبِلَ رجوعه، فلا قطع عليه، واستدلت لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق ما إخالك سرقت وأنه لو لم يسقط الحد عنه برجوعه لما عرض له النبي صلى الله عليه وسلم ليرجع. وعادت المعاملة للمحكمة بخطاب رئيس الهيئة رقم 1862 في 29-6-1992ه وقد قرر قضاة محكمة جدة قراراً مؤرخاً في 15-7-1992ه يتضمن ما يأتي: 1- رد قول التمييز إن إقامة الدعوى من المدعي الخاص شرط للقطع، وأن النص الوارد هو مطالبة المسروق منه بماله، وأنه بالتأمل يظهر الفرق بين العبارتين، وأنه لو كانت إقامة دعوى المسروق منه شرطاً لكان لعفوه أثر في إسقاط الحد عنه بعد رفعه إلى القاضي وقد ردت المحكمة على ذلك. 2- قول التمييز بأن من شروط القطع ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو اعتراف مرتين وأن لا يرجع عن إقراره حتى يقطع لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما اخالك سرقت"... إلخ أ ? فأجابت المحكمة بأن المسألة خلافية، وأنهم اختاروا رأي القائلين بعدم قبول رجوع السارق عن إقراره، وبأن الأحكام تثبت بالبينة أو بالإقرار، والإقرار أقوى من البينة في درجة الإثبات، وأنه إذا اعترف وكرر اعترافه مرات عدة ووجدت المسروقات بحوزته كيف يقبل منه الرجوع. وقالت المحكمة عن حديث"ما إخالك سرقت". أن ذلك لا يصح الأخذ به على العموم في حق كل سارق حتى في حق العصابات الخطرين، وأن ذلك لو فرض صحة حديث:"ما إخالك سرقت": يكون في حق متهم لم توجد بحوزته المسروقات ولم يكن معروفاً بجرائمه، ولا حاجة إلى ما ذكر أن حديث"ما إخالك سرقت"قد قيل فيه أن في إسناده مقالاً كما قال الخطابي في معالم السنن. والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة ولم يجب العمل به، وأنه على فرض صحته فإنه لا يوجب في منطوق الحديث أو مفهومه ما يصلح أن يكون دليلاً عاماً يطبق في كل حادثة. ب- أما الاستدلال على قبول الرجوع عن الإقرار بحديث ماعز فتقول المحكمة إن ذلك إن صح تطبيقه بالنسبة للزنا فلا يصحب بالنسبة للسرقة: لأن حد الزنا حق محض لله عز وجل وحقوق الله مبنية على العفو والتسامح، أما إقامة حد السرقة فإنه حق لله وحق لعباده لما فيه أمن البلاد والعباد وإصلاح المجتمع، وليس من المسلَّم به أن يستفاد من تلك الأحاديث الواردة في حد الزنا ان السُّرَّاق واللصوص الخطرين على الأمن بعد ضبطهم بجرائمهم واعترافهم بالسرقات أن يعاملوا بما يعامل به الزاني إذا رجع عن إقراره، أو أن يقال إن على الحاكم بحد السرقة بناءً على إقرار أن ينص بأنه ينفذ ما لم يرجع عن إقراره، وقال أصحاب الفضيلة، بل إننا نرى أن قبول رجوعه أو التعريض له بالرجوع يعتبر إغراءً له ولغيره على الاستمرار في العبث وإفساد الأرض وتعريض أمن البلاد وسمعتها لشرور لا يعلم عنها إلا الله، ولا نعتقد أن الشريعة الاسلامية تقبل هذا او تنص عليه. ثم قال أصحاب الفضيلة: حيث إننا لم نتفق مع هيئة التمييز في رأيها ونرى أن أدلتنا هي الراجحة فقد تقرر عرض الموضوع على سماحة وزير العدل لاجراء ما يراه مناسباً في هذا الخلاف، ورفعها لمعاليه من محكمة جدة برقم 1350/908ه في 18-7-92ه، فأحالها معاليه بخطابه المنوه عنه في صدر هذا القرار إلى الهيئة القضائية. وبتأمل الهيئة القضائية لما ذكر نرى ما يأتي: 1- كان على المحكمة أن تحيل المعاملة الى هيئة التمييز لترى رأيها حول ما أوردته المحكمة من جواب على ملاحظاتها على الحكم وتطلب منها بيان وجه مخالفة الحكم للأدلة الشرعية، فلعل هيئة التمييز تأتي بما يقنع المحكمة للعدول عما قررته، أو تقتنع محكمة التمييز فتصادق على الحكم. 2- ما دفعت به المحكمة اعتراض التمييز من اشتراط إقامة الدعوى من صاحب الحق الخاص وجيه، ولم يظهر أن قول العلماء ومطالبة المسروق منه يراد به إقامة الدعوى وانما هو المطالبة بماله، وهي أهم من إقامة الدعوى، فلا تلازم بين المطالبة بالمال وإقامة الدعوى، كما أن هذا الشرط ليس محل وفاق، بل رأى جماعات من أهل العلم عدم اشتراطه، ولذلك لا نرى أن اعتراض هيئة التمييز بذلك قائم، فإذا حكم الحاكم بقطع يد سارق فلا ينقض حكمه لأن صاحب الحق الخاص لم يقم الدعوى أو لم يطالب بماله. 3- أما كون المعترف مرات عدة الذي وجدت المسروقات بحوزته يقبل منه الرجوع، وأن حديث"ما إخالك سرقت"لا يصح الأخذ به على العموم وإنما يكون لو فرض صحته في حق متهم لم يوجد بحوزته مسروقات وأن الخَطَّابي قال إن في إسناده مقالاً وأنه لا يوجد في منطوقه أو مفهومه ما يصلح أن يكون دليلاً عاماً... إلخ. ويجاب عن هذا بأن قبول رجوع السارق عن إقراره دون تفصيل هل وجدت معه مسروقات أو لم توجد؟ قال به خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهما أبوبكر وعمر، وثبت عن غيرهما من الصحابة، ولا يعرف عن أحد من الصحابة بأنه يرى أن السارق الذي ثبت عليه الحد بإقراره يقطع ولو رجع عنه ومن يدعي خلاف ذلك فعليه البيان، بل إن قول أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي مسعود وابي الدرداء وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم في ذلك والذين لا يعرف في الصحابة لهم مخالف يصح أن يقال فيه انه اجماع ويصبح خلاف من خالف بغير دليل مطروحاً، ويكون ما ثبت عن الصحابة دليلاً على أن للحديث أصلاً، فقد كان هؤلاء الصحابة يلقنون السارق ليرجع عن إقراره، وقال الحافظ ابن حجر نقلاً عن مصنف عبدالرزاق عن ابن جريج سمعت عطاءً يقول: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق فيقول: أسرقت قل لا وسَمَّى أبا بكر وعمر، وقال الامام ابن قدامة في المغني: فصل لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره وهذا قول عامة الفقهاء. 4- قول المحكمة عن حديث ماعز: إن صح تطبيقه بالنسبة للزنا فلا يصح بالنسبة للسرقة لأن حد الزنا حق محض لله، وأن إقامة حد السرقة حق لله وحق لعباده... إلخ، فإنه غير مُتسلّم فما من حق لله سبحانه الا وللعباد فيه مصلحة، بل إن أمر الزنا اعظم من امر السرقة ولذلك عقوبته أشد وذلك حق لله وحق لعباده، وكذلك السرقة وحق العباد فيها المال ومن فرق بين الحدين بعد تسوية الصحابة بينهما بطريقة سماعهم للرجوع عن قرار من اعترف بشيء من ذلك فعليه بيان ما يؤيد قوله، وقول المحكمة إن حقوق الله مبنية على العفو والتسامح هو الحق فما كان الغالب فيه حق الله تعالى استحب فيه التسامح والسرقة من ذلك، كما عدها العلماء، قال الامام البغوي في شرح السنة عند الكلام على حديث ماعز فيه دليل على أن من أقرَّ على نفسه بالزنا إذا رجع في خلال إقامة الحد فقال كذبت أو ما زنيت أو رجعت سقط ما بقي من الحد عنه. وكذلك السارق وشارب الخمر. 5- قول اصحاب الفضيلة قضاة المحكمة وليس من المسَلَّم به أنه يستفاد من تلك الأحاديث الواردة في حد الزنا أن السُّرَّاق واللصوص الخطرين على الأمن... إلخ. هذا الذي لم يسلموا به سلم به من حيث الجملة خير القرون، ولنا فيهم أسوة، فإذا كان من مضى يعامل السراق بما يعامل به الزاني فليسعها ما وسعهم وهم خير الناس بشهادة خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم. أما بأن ينص في الحكم على أنه يقبل منه الرجوع عن إقراره فهذا لم نجد له ذكراً في قرار الهيئة حتى ترده المحكمة، وأما الخطرون على المجتمع فإذا وجدت الخطورة وتحققت وأمكن إلحاق أصحابها بالمحاربين فلهم عقوبة تخصهم. 6- قول أصحاب الفضيلة قضاة المحكمة، بل إننا نرى قبول رجوعه أو التعريض له بالرجوع يعتبر إغراءً له ولغيره على الاستمرار في العبث... إلخ. إلى أن قالوا ولا نعتقد أن الشريعة الاسلامية تقبل هذا او تحث عليه... ويجاب عن ذلك بأن أبا بكر وعمر ومن معهم من الصحابة نقل عنهم التعريض، بل الأمر للسارق بالانكار كما في مصنف عبدالرزاق وغيره وهم أزكى الناس وأحرص الناس على إقامة العدل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. فبناءً على ما سبق فإن الهيئة القضائية لم يظهر لها خلاف ما قررته هيئة التمييز من قبول رجوع المقر عن إقراره، إذ الرجوع أقل أحواله أنه شبهة، وقد ثبت عن عدد من الصحابة أنهم أمروا بدرء الحدود بالشبهات، وروي في ذلك أحاديث تشهد آثار الصحابة الثابتة بأن هذه الأحاديث صحيحة بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسنا بحاجة إلى نقل آثار الصحابة في ذلك الذين منهم عمر وابن مسعود ومعاذ وعقبة بن عامر وابن عباس، ونرى أن في تعزيرات الشريعة ما يغني عن التمسك بإقامة الحد بعد رجوع المقر والمراد حفظ الأمن والأخذ على أيدي العابثين وكف الفساد، وذلك متيسر بحمد الله وسيحققه تعزير الجاني بما يتلاءم مع جرمه بعد تحقق المحكمة بأن لا تجدي في مثله إلا العقوبات الشديدة، ولا يعرف ذلك إلا بتكرر الفعل وتكرر العقاب، وفقنا الله جميعاً لما فيه الخير والصلاح، وهدانا صراطه المستقيم، وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. الهيئة القضائية العليا برئاسة محمد بن جبير.