على رغم السيطرة على حريق محدود في مصفاة رأس تنورة نتيجة سقوط شظايا، دون تسجيل إصابات أو أي تأثير على الإمدادات، وفق ما أكده مصدرٌ مسؤولٌ في وزارة الطاقة، إلا أن استهداف مصادر الطاقة بحد ذاته أو إغلاق مضيق هرمز يعيدان طرح سؤال الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، وحققت التطمينات الرسمية السعودية هدفا مهما انعكس على الاقتصاد العالمي، إذ أن التأكيد أن الإمدادات لم تتأثر يعكس متانة البنية التحتية وقدرتها على الاستجابة السريعة، غير أن حساسية المرحلة تتجاوز الحادثة ذاتها، إذ ترتبط بموقع المنطقة في قلب منظومة الطاقة الدولية. ويمثل مضيق هرمز شريان يمر عبره خُمس نفط العالم، إذ يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالميًا، وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20 مليون برميل يوميًا تعبر المضيق، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية التي يتعطش لها العالم، كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن نحو 30% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا تمر عبر هذا الممر، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات فورية على الأسعار والتضخم والنمو. وتُظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن إجمالي إنتاج المملكة من النفط الخام خلال عام 2023 بلغ نحو 3,506 ملايين برميل، فيما بلغت الصادرات 2,431 مليون برميل، مما يعكس الوزن السعودي في معادلة العرض العالمي، هذا الثقل يعني أن أي استهداف لمصادر الطاقة في المنطقة لا يُقرأ كحدث محلي، بل كعامل ضغط محتمل على التوازن العالمي بين العرض والطلب، أما اقتصاديا، فحتى دون إغلاق فعلي للمضيق، يكفي ارتفاع مستوى المخاطر لزيادة أقساط التأمين البحري، ورفع تكلفة الشحن، مما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والسلع، ويغذي الضغوط التضخمية عالميًا، فالأسواق عادةً ما تستجيب سريعًا لأي توتر في منطقة تُعد شريانًا رئيسيًا للطاقة، إذ تقفز أسعار النفط تحسبًا لأي نقص محتمل في الإمدادات، وتزداد تقلبات الأسواق المالية. وليس بعيدا عن حادثة في المصفاه، حققت السيطرة السريعة على الحريق المحدود في مصفاة رأس تنورة جاهزية منظومة الطاقة السعودية وقدرتها على احتواء الطوارئ، إلا أن استمرار استهداف مصادر الطاقة أو تعطيل الممرات البحرية يمثل تحديًا يتجاوز حدود دولة بعينها، فالاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأمن الطاقة لم يعد شأنًا إقليميًا، بل ركيزة أساسية لاستقرار الأسواق الدولية، حيث يستوجب ذلك سرعة احتواء التصعيد، لأن أي توسع في نطاق الاستهداف أو أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز قد يفتح الباب أمام موجة اضطرابات جديدة في سوق تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات، وتمتد آثارها إلى كل مستهلك حول العالم.