تنطلق منظمة التجارة العالمية في قيامها بعملها من فكرة بسيطة مؤداها أن العالم سيكون أكثر رخاء ورفاهية متى ما تمكنا من تحرير التجارة العالمية وإلغاء إن كان ممكناً أو التخفيف من القيود والحواجز التجارية. ذلك أن تحرير التجارة العالمية يجبر الدول على التخصص في إنتاج السلع والخدمات التي تمتلك في إنتاجها مزية نسبية، وبعبارة أخرى تتمكن من إنتاجها بكلفة نسبية أقل من بقية الدول وتستورد ما تحتاج إليه من السلع الأخرى التي تكون كلفة إنتاجها محلياً مرتفعة. وبهذا يتمكن العالم ككل من الاستفادة مما هو متاح له من موارد اقتصادية بكفاءة، ويتمكن من إنتاج كميات أكثر من السلع والخدمات. وتأسيساً على هذه الفكرة، فإن القطاعات المستفيدة من الانضمام لمنظمة التجارة العالمية هي تلك القطاعات التي تمتلك فيها الدولة مزية نسبية الآن، والمتضررة عكسها. لكن هذا لا يعني نهاية القصة، بل إن القطاعات المستفيدة ستكون في منافسة مع المنتجين الأجانب، الذين سيتمكنون من منافسة الصناعات المحلية، ليس فقط في الأسواق العالمية، بل في عقر دارها، مستفيدة مما تنتجه المنظمات من تدابير وإجراءات توفر تكافؤ الفرص أمام المنتجين بغض النظر عن جنسياتهم. وتشمل هذه التدابير والإجراءات، إلغاء الدعم الحكومي للصناعات المحلية في حال وجوده، وتخفيف الرسوم الجمركية أو إلغاءها، وتقليص الملكية العامة للمشاريع الاقتصادية. وهذه التدابير وغيرها تجعل هذه الصناعات عرضة لمنافسة شرسة، وربما يتحول الأمر إلى صراع من أجل البقاء. ولهذا فإنه لا بد من الشروع في تبني استراتيجية وطنية لدعم الصناعات والأنشطة الاقتصادية المحلية وفق المعايير والاعتبارات، التي تفرضها طبيعة المرحلة والتوجهات العالمية المعاصرة. ووجود منظمة التجارة العالمية والانضمام إليها لا يلغيان فكرة حماية الصناعات المحلية، بل يغيران في آلياتها، فعوضاً عن الآليات التقليدية، هناك آليات تستمد فاعليتها من درجة المواطنة لدى أفراد المجتمع ومدى وعيهم وإدراكهم بأهمية حماية اقتصادهم ودعمهم هياكل الإنتاجية، من دون الحاجة إلى التدخل المباشر. ولعل من أهم هذه الآليات ما يعزى إلى التطبيق الاقتصادي لمفهوم المواطنة، بمعنى أن تكون اعتبارات المواطنة ومصلحة المجتمع الذي ينتمي إليه الشخص حاضرتين عند اتخاذ قراراته الاقتصادية. وتحتاج عملية بناء المواطنة الاقتصادية إلى وقت وإلى بناء للثقة بين المستهلك المحلي والمنتج المحلي، وترتكز فكرة المواطنة الاقتصادية على دعم المنتجات المحلية لا عن طريق فرض ضرائب جمركية أو أية برامج حمائية أخرى، وإنما على شراء المواطنين والمقيمين ما ينتج محلياً، لأن ذلك مفيد لهم أنفسهم ولمجتمعهم، لما يوفره ذلك من فرص عمل، وإمكان زيادة الدخول سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وفي المقابل فإن المفترض في المنتج أن يكون على درجة عالية أيضاً من المواطنة فلا يستغل المستهلك تحت شعار حماية المنتجات المحلية ودعم الاقتصاد الوطني، فيتولد بذلك احتكار بشع، فإن مقتضيات المرحلة المقبلة تستوجب القدرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية، ولا يتأتى هذا إلا بتطوير قدرات تنافسية عالية بالنسبة إلى المنتجين المحليين وتشجيع قيام صناعة التصدير في السعودية، والتي نفتقدها حالياً. فالشركات المصدرة حالياً تصدر بجهودها الذاتية ولأن من ضمن خططها واستراتيجياتها التسويق خارج الحدود. لكن هناك مجموعة من المشاريع لديها قدرة إنتاجية زائدة عن استيعاب السوق المحلية لا تتمكن من التصدير لصغر حجمها أو لعدم خبرتها في الأسواق الأجنبية. وصناعة التصدير تساعد أيضاً الشركات والمشاريع الصغيرة في زيادة حجم نشاطها، نظراً إلى اتساع حجم السوق أمامها. ولقيام صناعة تصدير ناجحة، فإنه لا بد من إنشاء شركات متخصصة في تسويق المنتجات المحلية خارجياً وتوفير الائتمان للصادرات بالأساليب المناسبة ودعم إنشاء مواقع على الإنترنت للشركات والمنشآت الراغبة في ذلك، وتطوير الأدلة التقليدية والإلكترونية الخاصة بالصناعات السعودية. يضاف إلى ذلك، ضرورة تفعيل دور الملحقيات التجارية السعودية في الخارج ضمن إطار استراتيجية عامة، تهدف إلى حماية الصناعة المحلية ودعم انتشارها في الأسواق العالمية. والنظرة الموضوعية إلى منظمة التجارة العالمية تسمح لنا برؤية جوانب عدة إيجابية يمكن الاستفادة منها، من ذلك على سبيل المثال إمكان الحصول على التقنية بشروط أفضل مما هو موجود حالياً. وبإمكان الاستفادة من الرسوم التي تفرضها الدول الأعضاء على المنتجات الصناعية المستوردة من 4.7 في المئة في المتوسط إلى 3 في المئة. وزيادة نسبة السلع المصفاة كلياً من الرسوم من 20 في المئة إلى 22 في المئة، ومن 40 إلى 45 في المئة، وكذلك استفادة الصناعات الزراعية والحيوانية المحلية من إجراءات رفع الدعم الذي توفره الدول المصدرة لهذا النوع من المنتجات. يوفر للقطاع الزراعي المحلي فرصاً مناسبة، خصوصاً أن المنظمة تطالب الدول الأعضاء بتقليص الدعم الحكومي لهذا القطاع. ما نحتاج إليه في المرحلة المقبلة ليس معالجة أو نظرة كلية إلى ما يمكن أن يترتب على الانضمام إلى المنظمة من آثار، بل نحتاج إلى قراءة جزئية تفصيلية، فحتى القطاعات التي يقال أنها ستتأثر سلباً بالانضمام، يمكن لها أن تستفيد من بعض التدابير والإجراءات والسياسات والمعالجات التي توفرها المنظمات، وبالمثل، فالقطاعات التي تنظر إليها على أنها مستفيدة من الانضمام ليست كذلك على الإطلاق. * استاذ الاقتصاد - جامعة الامام