رمضان شهر الطُهرة والتطهّر، يرتقي بالصائمين من تطهير ألسنتهم من اللغو إلى تطهير الجوارح كلها من الفسوق والرفث، ويتحيّنون بركته لتطهير أموالهم بإخراج زكاتها، ثم يَختمونه بصدقة الفطر طُهرة أخرى لهم. ويتسابق المسلمون في هذا التطهّر والتطهير"ولكن يأبى أقوامٌ إلا أن يجعلوا من رمضان موسماً يفيضون فيه في الرِّجس، فيعملون بعمل الشيطان، ويأكلون أموال الناس بالميسر. لقد أصبح رمضان موسماً لمقامرات ال700، وما هذه المسابقات إلا صورة مطوَّرة لصورة اليانصيب البدائية، فرضها التطور التقني، فالفارق بينهما - كما يسميه الأصوليون - فارق غير مؤثر، إذ معنى القمار موجود فيهما، فما يغرمه المتسابق من أجور المكالمة هو بمثابة ثمن قسيمة الاشتراك في اليانصيب. والنتيجة واحدة، فالأموال الطائلة تجمع من المتسابقين في الصورة الأولى ومن مشتري قسائم اليانصيب في الثانية"ليقتسمها في النهاية بضعة أفراد في كلتا الصورتين، وتبوء البقية بالخسارة، فما مسابقات ال700 إلا مقامرة مقنَّعة استطاعت بقناع المسابقات أن تفوت على الرقيب، وأن تدخل حدوداً كان محرماً عليها دخولها يوم كانت تُعرض بالصورة الساذجة لليانصيب، وبفضل هذا القناع استمرأها الناس، ولو جاءتهم في صورة اليانصيب مخلوعاً عنها ذلك القناع لنفروا منها ولأَجلَبوا عليها واستعظموا وجودها في مجتمعهم الإسلامي! إنه ما من شيء نزل القرآن بتحريمه إلا والعرب تعرفه بمعناه ومبناه، ولا يصح عقلاً أن ينهاهم عن شيء لا يعرفون حقيقته، وإذا أردنا أن نعرف المقصود بالميسر فعلينا أن نرجع إلى صورته التي تعرفها العرب وقت التنزيل، لنستظهر العلة التي لأجلها حُرم الميسر. ولميسر الجاهلية صور متشابهة، متفقة في معنىً واحد، ومن أشهرها أنهم كانوا يجعلون بينهم عشرة أقداح، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزورٍ ينحرونها، ويجزِّئونها أجزاء، ثم يجعلون الأقداح في وعاء، ويضعونه في يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج منها واحداً باسم رجل، ثم واحداً باسم رجل. ..إلخ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً من اللحم، وغرم ثمن الجزور كلّه، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء التي ربحوها إلى الفقراء ولا يأكلون منها ترفعاً وتنزّهاً، ويفتخرون بذلك، ويذمّون من يأكل منه. غير أن الميسر لا يختص بهذه الصورة البدائية، فمعناه موجود في صور أخرى تفوق الحصرَ كثرةً، ومن المعلوم أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وإن اختلفت الصور، أو اختلف الزمان والمكان. على أن بعض قمار الجاهلية أخف كثيراً من مقامرات اليوم، إذ كان بعض المتقامرين يدفعون ما ربحوه إلى الفقراء ولا يأكلون منه ترفعاً وتنزّهاً، ومع ذلك حرّمه الشرع وجعل هذه المنفعة الموصولة إلى الفقراء مُلغاة"لأن إثمَه أكبر من نفعه. ولم يحرم الميسر لأنه لا منفعة فيه، كيف وق أثبت القرآن أن فيه منافع للناس، ولكن حرّمه لأن إثمه أكبر من نفعه، يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس، وإثمهما أكبرُ من نفعهما . ولا عبرة بما يتحجّج به بعضهم من انتفاع بعض الفقراء من هذه المسابقات، فهذه حجة داحضة"إنما يُخادَعُ بها الصبيان"فإن العرب في الجاهلية كانوا يدفعون لحم الجزور الذي تقامروا عليه إلى الفقراء، ولا يأكلون منه ترفعاً وتنزهاً، ومع ذلك حرَّمه الإسلام، وأغلظ في النهي عنه، ولم يستثنِ هذه الصورة مع أن فيها خيراً للفقراء، فكيف إذا كان المقامر يأكل ما قامر عليه؟! وكيف إذا كان في المقامرين فقراء غرموا أموالاً رجاء الغنى؟! إن الفتوى بتحريم هذه المسابقات ليست فتوىً نجديةً حنبلية، بل هي فتوى علماء كثُر في هذه البلاد وفي غيرها، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الاسلامي، في دورته ال14 في الدوحة، من 8 إلى 13 ذو القعدة 1423ه بتحريم هذه المسابقات التي تكون الجائزة فيها من أموال المتسابقين، وكذا المسابقات التي يُدفع للاشتراك فيها مبلغٌ على المكالمات الهاتفية إذا كان ذلك المبلغ أو جزء منه يدخل في قيمة الجوائز. * محاضر في كلية الشرعية في جامعة الإمام.