لا يؤلم الابوين، عندما يتقدمون لخطبة فتاة لابنهم، اكثر من طلب اهلها ان تستقل في منزل منفرد مع زوجها، فالامهات اللواتي عشن مع عائلات ازواجهن سنوات طويلة، قبل الاستقلال مع الزوج والاولاد، يتمسكن بتطبيق التجربة ذاتها مع الكنة، التي ترفض الامر إذا كانت متعلمة وتفضل الاستقلال الفوري على تأجيله. وتبدو الامهات اكثر اصراراً على بقاء الاولاد في المنزل بعد الزواج، على عكس الآباء الذين يفضلون استقلال اولادهم، واعتمادهم على انفسهم. لكن الامر يبدو مختلفاً عندما يتعلق الامر بالفتيات، فالام التي رفضت خروج ولدها واستقلاله، تطالب العريس المتقدم لخطبة ابنتها بايجاد سكن مستقل عن اهله. ويُرجع لميس العادلي، استاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، التضارب في مواقف العائلة العراقية، الى الفكرة التقليدية السائدة في المجتمع العراقي عن مسؤولية الشباب، ازاء الوالدين اكثر من الفتيات. فالأم تنطلق من ان الشاب هو من يساهم في دعم العائلة، على العكس من الفتاة التي تُعتبر بمثابة الضيف الموقت الذي يغادر المنزل بعد الزواج. ويقول إن هناك اسباباً اخرى تتعلق بالغيرة بين الكنة وأم الزوج التي ترغب في أن تعيش كنتها ظروفاً مشابهة لتلك التي عاشتها هي بعد الزواج في بيت اهل زوجها، والاحتفاظ بالابن في كنف العائلة. ويرى العادلي أن اصرار الام على خروج ابنتها في بيت مستقل عند الزواج يعود الى رغبتها في ضمان مستقبل افضل لابنتها، في حين ان هذا المستقبل لا يهمها كثيراً عندما يتعلق الامر بالكنة. وتدعم عائلات عراقية نظرة العادلي، فأم هيثم 49 سنة رفضت ان يسكن ولدها في منزل مستقل بعد الزواج، كي تعطي كنتها دروساً في إدارة المنزل، وتعلمها تدبير حياتها العائلية. وتقول:"كنتي صغيرة السن في الرابعة عشرة من عمرها، وهي ابنة شقيقتي. لذلك اصرت على ان تسكن معنا، على رغم أن عائلتها"تدبّرت"للعريسين منزلاً مستقلاً. وذلك لتتعلم مني كيف تدير شؤون بيتها، وكي اشرف معها على تربية اولاد ابني. فأنا لا اريد ان يعيش احفادي بعيداً مني". ام هيثم تقول انها اعتادت ان تدير المنزل بطريقة خاصة، وتريد من زوجات اولادها ان يتعلمن منها هذا الامر. إلا أنها تعترف بأنها لم تنجح في مسعاها، وأن الفتاة تتعلم من امها اكثر من ام زوجها وأنها تدير بيتها بالطريقة ذاتها التي تعلّمتها من والدتها. وعلى رغم ان اقامة الاولاد مع عائلاتهم بعد الزواج من الامور السائدة في المجتمع العراقي، لا سيما بين العائلات ذات الدخل المحدود والمتوسط، هناك توجهات جديدة بين الشباب المتعلم للاستقلال عن العائلة بعد عام من الزواج. وهناك من يفضل السكن المنفصل بعد الزواج مباشرة، عندما تكون الزوجة عاملة، ما يتيح مورداً اضافياً يجعل الاستقلال اكثر يسراً. ويؤكد احمد مرهون 32 سنة أنه فضل الاستقلال المباشر عن عائلته على رغم اعتراض والدته، اذ اقدم على بناء منزل صغير مجاور لمنزل العائلة، وسكن فيه مع زوجته، لئلا يغضب والدته التي طلبت منه ألا يبتعد عنها. ويقول:"انا وزوجتي كلانا يعمل. وهذا الامر وفر لي هامشاً من التحرك للاستقلال المبكر". ولا تبالي عائلات عراقية بما تتناوله وسائل الاعلام، او الافكار التي تطرحها مراكز البحوث في شؤون الاسرة، حول استقلال الازواج، فخروج الابن من المنزل بعد زواجه في بيت مستقل غالباً ما ينتهي بخصام كبير، قد يدوم شهوراً، قبل عقد الصلح بين الطرفين ورضوخ الاهل للأمر الواقع. نشر في العدد: 17128 ت.م: 2010-02-25 ص: 23 ط: الرياض