لا شك في أن القيمة الصحافية لمؤسس موقع"ويكيليكس"جوليان أسانج تمثلت في تزويده كل الصحف الرائدة في العالم يومياً بقصص جديدة عن"كوارث"المغامرات العسكرية للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وبعض"الغسيل الوسخ"لديبلوماسييها. أما القيمة السياسية فتجلت في كشفه انهيار دعم الولاياتالمتحدة التقليدي لحماية حرية الصحافة باعتبارها الديموقراطية الأكبر في العالم. ويتناقض ذلك مع قول ثالث رئيس أميركي توماس جيفرسون في معرض دفاعه عن حرية الصحافة عام 1787:"إذا خُيِّرتُ بين امتلاك حكومة من دون صحافة أو صحافة من دون حكومة، فلن أتردد في تفضيل المعادلة الأخيرة". وبعد 36 سنة، عزز جيفرسون نفسه موقفه الأول بالقول إن"حرية الصحافة هي الركيزة الوحيدة لحماية أمن أي بلد"، مضيفاً:"لا يمكن مقاومة الرأي العام حين يسمح له بالتعبير بحرية، ويجب أن نتفاعل مع اهتزازه من أجل الحفاظ على المياه نقية". لكن أسلوب مواجهة الإدارة الأميركية ل"الاهتزاز الشعبي"الذي أحدثه أسانج يتمثل في استخدامها الطاقة القصوى لإسقاط تسريباته وتدميره شخصياً. وهنا يقارن التاريخ الأميركي أسانج بدانيال ايلسبيرغ الذي أعطى"نيويورك تايمز"وثائق سرية خاصة بوزارة الدفاع البنتاغون عن"أكاذيب"السلطة لتبرير حرب فيتنام. وعلى رغم القوة المعنوية لتسريبات العسكري السابق ايلسبيرغ حينها، لكن عمله مع مؤسسة حكومية جعله يخالف ضوابط التعامل مع معلومات مصنفة بأنها"سرية". أما أسانج فمتحرر من هذه القيود، وهو مثال الصحافي الباحث عن الأخبار التي يحاول نشرها لاحقاً، علماً انه لم ينفذ فعلياً مهمة تختلف عن أي محرر آخر في تجهيز أخبار ونشرها لتصبح في متناول جمهور يملك حق معرفة"الحقيقة". وينفي أسانج مزاعم وجود دوافع سياسية خلف عمل"ويكيليكس"، مؤكداً أن الموقع يريد فقط تحرير الصحافة وكشف التجاوزات وإنقاذ الوثائق التي تصنع التاريخ من دون التشهير بأبرياء. ويرى أن مشكلته الأساسية انه يواجه وكالات استخبارات لا تخضع لقوانين. واللافت انه استعاد في مقال نشرته صحيفة"ذي أستراليان"في يوم اعتقاله في السابع من الشهر الجاري، مقولة كتبها قطب الإعلام الأسترالي روبرت مردوخ عام 1958 وأفادت بأنه"في السباق بين السرية والحقيقة، الأخيرة هي الرابحة حتماً".