حضرت القمة الدولية لإتصالات الخليوي إلى الشاشة الفضية محمّلة بالتناقضات القوية التي يحفل بها الإعلام المعاصر. ولعل تغطية شبكة"سي أن أن"لهذه القمة تصلح نموذجاً لتلك التناقضات التي تعمل في خفاء غالباً، ما يجعلها فاتنة أحياناً. فقد أفردت الشبكة الأميركية تغطية مطوّلة عن قمة تكنولوجية تبدو أوروبا فيها أقرب إلى موقع الهيمنة والسيطرة. والمعلوم أن شبكات الاتصالات من نوع"جي أس أم"GSM هي تقنية أوروبية بامتياز، فيما تتبنى الولاياتالمتحدة ومجموعة من دول القارتين الاميركيتين تقنية مغايرة. وافتتحت التغطية التي أذيعت ضمن برنامج"موبايل تكنولوجي"Mobile Technology بلقطة ظهر فيها معلق التلفزة وقد أعطى ظهره لمركز"فيرا دي لا إسبانيا"الذي استضاف القمة، وفاتته الإشارة إلى تمثال كريستوفر كولومبس القريب من مركز القمة، الذي يشير إلى البحر الذي حمله ليكتشف أميركا. هل تحذو التقنيات الأوروبية في الاتصالات الخليوية حذو كولومبوس فتغزو أميركا، أم أن الغلبة ستكون للتقنيات الأميركية، خصوصاً بعد النجاج الهائل الذي حققه هاتف"أي فون"الذي يمكن إعتباره من كبار الغيّاب عن تلك القمة؟ ويلفت أيضاً أن شبكة"سي أن أن"كرّرت بثّ تغطيتها للقمة غير مرة، على عادة برنامج"موبايل تكنولوجي". وفي المقابل، فإنها حرصت على وضع تلك التغطية على موقع"يوتيوب"على الانترنت. والمعلوم أن ذلك الموقع نال شهرته لأنه يتيح تبادل الأشرطة التي يصنعها الجمهور بوسائل متنوعة، خصوصاً الهاتف الخليوي. إذاً، سارت تغطية الخليوي من الأقمار الاصطناعية للبث التلفزيوني المعولم لشبكة"سي أن أن"لتصل إلى الإنترنت وتستقر في الموقع الذي يمدّ الخليوي عليه ظلاً فائق القوة. وتبدو تلك دورة كاملة، تظهر فيها القوة الإعلامية التي باتت في حوزة الهاتف النقّال راهناً. ووصل التلاعب بين الخليوي والتلفزة أحد ذراه عندما استضافت كاميرا التلفزة الممثل الهوليوودي كيفن سباسي الذي تحدث عن حماسته لدعم المخرجين الشباب الذين ينتجون أفلاماً قصيرة من النوع الذي يظهر على موقع"يوتيوب"، والذي يصلح لشاشات الهواتف النقّالة والكومبيوتر والتلفزيون. والمعلوم أن الممثل حضر القمة الكاتالونية ليشارك في حفلة تسليم جوائز مسابقة عالمية حملت اسم"مو فيلم"MOFILM توجت بحفلة استعراضية للأشرطة الفائزة. وبدت تلك المسابقة وكأنها"أوسكار"لأفلام الهواتف النقّالة. وبقول آخر، بدت السينما مستسلمة كلياً أمام منافسيها الأكثر حداثة، أي التلفزة ووسائل الإعلام الرقمي، خصوصاً الخليوي الذي حاز تسمية"الشاشة الرابعة"منذ قمة مماثلة استضافتها مدينة كان الفرنسية في عام 2005. وفي المقلب الآخر من المشهد الإعلامي عينه، برهنت التغطية ما يشاع عن"شعبوية"التلفزة وكذلك ميلها إلى الإنغراس في قلب اللحظة الحاضرة. والتقطت كاميرا التلفزة جو الأزمة العالمية إقتصادياً لتجعلها محور أسئلتها إلى ممثلي شركات الخليوي وشبكاته. وسرعان ما وصل الكلام إلى ملاحظة التناقض بين الكلمة التي وُصِفَت بأنها الأكثر رواجاً في المؤتمر، وهي القدرة، وبين الواقع الاقتصادي المرّ للشرائح الأوسع من الناس. وبحسب"سي أن أن"، فقد هجست شركات الخليوي بنقاش مسألة"القدرة"التقنية في الشبكات، بمعنى أنها تطلّبت نشر الشبكات الأكثر تقدماً في الاتصالات. ويبدو ذلك بديهياً لأن تقديم خدمات متقدمة، مثل الأفلام والمواقع الشبكية المتنوعة وخرائط"غوغل"وتلفزيون الخليوي وصور الأقمار الاصطناعية للشوارع، وكذلك الربط بين الهاتف النقّال وتلك الأقمار من أجل تحديد الموقع جغرافياً على الأرض وغيرها، تتطلب كلها شبكات إتصالات متقدمة تقنياً. وبديهي أنها أكثر تكلفة، سواء بنتها الشركات أم الحكومات. وكذلك فإن الخدمات الأكثر تقدماً، والتي شغلت بال صُنّاع الهواتف النقّالة فطوروا تلك الأجهزة لتتلاءم معها باستمرار، تعني صنع خليويات أعلى سعراً إضافة إلى إرتفاع سعر تلك الخدمات، خصوصاً بالمقارنة مع الخدمات الأكثر رواجاً مثل المكالمات الصوتية ورسائل"أس أم أس". وطرحت"سي أن أن"تلك الإشكالية معطوفة على لحظة الأزمة الاقتصادية الطاحنة، فبدت وكأنها تلامس المشاغل الأكثر شعبية بالنسبة الى لجمهور العالمي. وبذا، بدت التلفزة وكأنها تحاول أن ترد على"هجوم"الخليوي الذي بات منافساً قوياً لها في مجال الإعلام المرئي والمسموع. وثمة مسافة شاسعة بين كلفة المشاهدة البصرية على الخليوي، وبين كلفة مشاهدة التلفزيون! والأرجح أن تلك المسافة التي تعطي للتلفزيون أرجحية وشعبية، رسمت الملامح الأساسية لتغطية"سي أن أن". وبذا، بدا منطقياً أنها اختتمت بالحديث عن"بنوك الخليوي"Cellular Banking. وبحسب تغطية تلك الشبكة، فقد ناقشت الشركات تلك البنوك إنطلاقاً من معادلة منطقية تشير إلى وجود بليوني يد تحمل الخليوي عالمياً، وأن كثيراً منها لا يملك حساباً مصرفياً بل ربما يعيش في أمكنة تغيب عنها البنوك أصلاً. وإذ استغلت شركات الخليوي القمة الكاتالونية لتطرح حلاً تقنياً قوامه قدرة الخليوي المتطور تقنياً على أن يشكّل بديلاً للبنوك، ضربت كاميرا التلفزة ذلك الحل"النقّال"بطرح سؤال بسيط وشديد"الشعبوية"أيضاً: أين هو المال أصلاً؟ [email protected]