جرياً على عادة باتت شبه ثابتة، أولت شبكة «سي أن أن» الأميركيّة اهتماماً كبيراً ب «المعرض العالمي للهواتف المتحركة - برشلونة 2016». وركّزت الشبكة التلفزيونية على شغف شركات الخليوي بمسألة «القدرة» التقنية في الاتصالات اللاسلكية. ويبدو ذلك بديهياً لأن تقديم خدمات متقدمة كالأفلام والمواقع الشبكيّة التفاعليّة وتلفزيون الخليوي وصور الأقمار الاصطناعية للشوارع، وكذلك الربط بين الهاتف النقّال وتلك الأقمار من أجل تحديد الموقع جغرافياً على الأرض وغيرها، يتطلب شبكات اتّصالات متقدمة تقنياً. وبديهي الحديث أيضاً عن التكلفة المرتفعة لتلك الشبكات، بغض النظر عن الجهة التي تتولّى إنشاءها. وكذلك، فإن الخدمات الأكثر تقدماً شغلت بال صُنّاع الهواتف النقّالة، فطوروا تلك الأجهزة لتتلاءم معها باستمرار، فصنعوا خليويات أعلى سعراً إضافة إلى ارتفاع سعر تلك الخدمات. ويلاحظ أن معظم الشركات يبدي حرصاً على أن تكون تكلفة الخدمات الأكثر رواجاً كالمكالمات الصوتية ورسائل «أس أم أس»، منخفضة نسبيّاً. وطرحت «سي أن أن» تلك الإشكالية معطوفة على استمرار الأزمة الاقتصاديّة في أوروبا ودول العالم الثالث، فبدت كأنها تلامس المشاغل الأكثر شعبية بالنسبة الى جمهور عالمي واسع. وبذا، بدت التلفزة كأنها تحاول أن ترد على «هجوم» الخليوي الذي بات منافساً قوياً لها في مجال الإعلام المرئي - المسموع. ثمة مسافة شاسعة بين كلفة المشاهدة البصرية على الخليوي، وبين كلفة مشاهدة التلفزيون! وبقول آخر، حضرت القمة الدولية لاتّصالات الخليوي إلى الشاشة الفضية محمّلة بالتناقضات القوية التي يحفل بها الإعلام المعاصر. ولعل تغطية شبكة «سي أن أن» العالمية للقمة، تصلح نموذجاً من تلك التناقضات التي تعمل في الخفاء غالباً، ما يجعلها فاتنة أحياناً. ومثلاً، أفردت الشبكة الأميركية تغطية مطوّلة عن قمة تكنولوجية تبدو أوروبا فيها أقرب إلى موقع الهيمنة والسيطرة، ذلك أن شبكات الاتّصالات من نوع «جي أس أم» GSM هي تقنية أوروبية بامتياز، فيما تتبنى الولاياتالمتحدة ومجموعة من دول القارتين الأميركيتين تقنيّات مغايرة. وافتتحت التغطية التي أذيعت ضمن برنامج «موبايل تكنولوجي» Mobile Technology، بلقطة ظهر فيها مركز «فيرا دي لا إسبانيا» الذي استضاف القمة. ولم تفت المعلّق التلفزيوني الإشارة إلى تمثال كريستوف كولومبوس القريب من مركز القمة، الذي يشير إلى البحر الذي حمله ليكتشف أميركا. هل تحذو التقنيات الأوروبية في الاتّصالات الخليوية حذو كولومبوس فتغزو أميركا، أم أن الغلبة ستكون للتقنيات الأميركية، خصوصاً بعض النجاج الهائل الذي تحقّقه هواتف «آي فون»؟ وفي المقابل، حرصت «سي أن أن» على وضع تلك التغطية على موقع «يوتيوب» على الإنترنت. وتذكيراً، نال ذلك الموقع شهرته لأنه يتيح تبادل الأشرطة التي يصنعها الجمهور بوسائل متنوعة، خصوصاً الخليوي! إذاً، سارت تغطية الخليوي من الأقمار الاصطناعية للبث التلفزيوني المعولم لشبكة «سي أن أن»، لتصل إلى الإنترنت وتستقر في الموقع الذي يمدّ الخليوي عليه ظلاً فائق القوة. وتبدو تلك دورة كاملة، تظهر فيها القوة الإعلامية التي باتت في حوزة الخليوي راهناً.