الأمثال الخرافية الصورة الثانية من صور الأمثال الشعبية على ألسنة الحيوانات والكائنات أن يأتي المثل مُقتبساً من نصٍ حكائي من حكايات الحيوان الخرافية، إذ يتفوّه حيوان الحكاية بعبارةٍ مُعيّنة، ثم تستقل بذاتها وتجري مجرى المثل السائر. وكان الدكتور محمد رجب النجار (ت1426ه) قد صنّف الأمثال إلى عشرة أنواع مَثَلية أثناء دراسته للأمثال، من بينها ما سمّاه «المثل القصصي الخرافي على لسان الحيوان»، وكذلك سمّاها «الأمثال الخرافية». وترد في مدونات الأمثال الشعبية السعودية العديد من الأمثال التي تُصنّف تحت هذا النوع، ويمكن للقارئ التعرّف على مصدر بعضها، بسهولة، لاسيما ما جاء منها في التراث العربي، أو في كتب حكايات الحيوان كحكايات (أو خرافات) إيسوب، وأعني أن المتلقي سيتعرّف على أصل الحكاية لا على نص العبارة الذي تحوّل إلى مثلٍ شعبي. من الأمثال الشعبية التي ترد بصيغٍ مُختلفة في مدونات أمثالنا الشعبية المثل المقتبس من عبارة تقول فيها النخلةُ مُخاطبةً البعوضة: «ما دريت يوم تاقعين فادري يوم جيتي تطيرين»، أورده الشيخ عبد الكريم الجهيمان بهذه الصيغة، وكتب بأن البعوضة توهمت أن النخلة انزعجت عند وقوعها فوقها، وحينما عزمت على الطيران نبّهت النخلة لكي تتهيأ وتتماسك، فردت عليها الأخيرة بالعبارة التي أضحت مثلاً، وذكر الجهيمان أنّ المثل يُضرب «لمن يرى في نفسه أكثر مما يراه الآخرون». وجاء المثل عند الشيخ محمد بن ناصر العبودي بصيغة: «يا بقه ما دري بك»، أمّا لدى الأستاذ محمد بن حسين الرمضان فصيغته: «إيش أنتي يا بقه». والمثل قديم أورده الثعالبي (ت350ه) في (التمثيل والمحاضرة) ونصّه: «قالت البعوضة للنخلة: استمسكي فإني عنك ناهضةٌ، فقالت: ما أحسستُ وقوعك، فكيف نهوضك»، كما وقف العبودي على مصادر عربية أخرى ورد فيها المثل أو قصته. وفي مثلٍ شعبي آخر أن الحيّة ردّت على الرجل الذي طلب الصلح معها بعد محاولته الفاشلة للانتقام منها، فقالت: «كيف أعاود وهذا أثر فاسك»، يُضرب، كما أخبر الجهيمان، مثلاً لأخذ العبرة والعظة من الأحداث. وقد ذكره الميداني (ت518ه) في (مجمع الأمثال) بصيغة: «كيف أُعاودُك وهذا أثرُ فأسك؟»، وقال بأنه يُضرب «لمن لا يفي بالعهد»، وأورد أبيات الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني التي استشهد فيها بقصة المثل. «قال من علمك هالقَسْم المنسمح قال هالذيب المنسدح»، هذا المثل الشعبي أورده الجهيمان في أمثاله من دون ذكر للموقف الذي يضرب فيه. وهو مأخوذ من حكاية شعبية شائعة ذُكرت في عدد من مدونات الحكايات الشعبية السعودية، وأوردها الجهيمان نفسه كاملة في الجزء الأول من كتابه (أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب). وتحكي عن اشتراك الأسد مع الذئب والثعلب في رحلة صيد، وفي ختامها طلب من الذئب قِسمة الصيد وهو عبارة عن: «غزال وأرنب وجربوع»، فأعطى للأسد الغزال وأخذ الأرنب ومنح الجربوع للثعلب، فغضب الأسد من قسمته وقتله، ثم طلب من الثعلب أن يُعيد القِسمة، فقال: «الغزال لغدائك والأرنب لعشائك والجربوع فيما بين ذلك»، فأُعجب الأسد بقسمته وسأله: من علمك هذه القسمة؟ فأجاب الماكر بالعبارة التي صارت مثلاً. وقصة هذا المثل ترد، أيضاً، في حكايات إيسوب وفي العديد من كتب التراث العربي المعروفة. ومن أمثالنا الشعبية المقتبسة، أيضاً، من كلام حيوانات الحكايات المثل: «حسيكاتي ومسيكاتي والفِنقلّه»، وهي عبارة قالها فأر الصحراء في تفضيل حياته على حياة فئران المدينة حين جرّب العيش معها، وشرح الجهيمان ألفاظ المثل فذكر أن «الحسك والمسك هي ثمار بعض الأعشاب الصحراوية.. والفنقلة هي اللعب واللهو وانقلاب المرء مرة على بطنه ومرة على ظهره وهو آمن مُطمئن»، وذكر في شرحه أن المثل يُضرب لتفضيل الحرية والأمان على ملذات الحياة الأخرى. وحكاية هذا المثل موجودة في حكايات إيسوب أيضاً، كما صاغها العبودي في كتابه (مأثورات شعبية) تحت عنوان (القناعة والبعد عن الخطر)، وفيها يقول فأر المقبرة مُخاطباً ابن عمه فأر المنزل: «رميثاتي، وشجيراتي، أحب إلي من زغر العيينات»، ويقصد بزغر العيون القطط! ومن الأمثال الحوارية التي دوّنها العبودي: «قال: من شاهدك يا أبا الحصين؟ قال: ذنيبي»، وذكر أنه يُضرب «للشاهد غير العدل»، وأشار إلى أن أصله مثل قديم أورده العسكري (ت395ه) بلفظ: «شاهد الثعلب ذنبُهُ». كما أورد العبودي مثلاً شعبياً آخر جاء على لسان الفأر يُخاطب الفئران هو: «من يلبس البس الجرس»؟، وصيغته عند الجهيمان: «من يعلق الجرس». وأشار العبودي في شرحه للمثل إلى أن المثل قديم أورد قصته الميداني، كذلك أشار إلى أن قصة المثل وصلت إلى العرب من اليونان وتحديداً من خرافات إيسوب، وكان العبودي قد صاغ حكاية المثل بتوسع في (مأثورات شعبية). أمّا صيغة المثل عند الميداني فهي: «بَقيَ أشَدّهُ»، يُضرب «عند الأمر يبقى أصعبهُ وأهولُه»، وقد نقل العبودي، عن الميداني، قصةً شبيهةً بقصة المثل الشعبي في شرحه للمثل القائل: «لا أُعلقُ الجُلجُل في عُنقي»، وفيها لا تحصل الصعوبة من مواجهة الفئران مع القط، بل من مواجهة «بني عجل» مع أسدٍ شرس كرّر مُهاجمة إبلهم والافتراس منها، فاقترح رجلٌ منهم أن يتقدّم أحدهم ويُعلقّ جُلجُلاً (جرساً) في عُنق الأسد لكي يُنبههم الرنين إلى اقترابه منهم! وعلى لسان طائر «أم سالم» دوّن الجهيمان المثل القائل: «يومٍ من طربي يسواك يا عقفى الذنب»، يخاطب فيه عقفى الذنب (أي ملتوية الذيل) وهي العنز، وقد ردّت أم سالم عليها بهذه العبارة الهازئة لأنها لامتها على تضييع وقتها في الغناء واللهو، ويضرب المثل «لبعض الأمور المعنوية التي ترجح قيمتها بالأمور المادية». وقد دوّن الشيخان محمد بن ناصر العبودي وعبد الكريم الجهيمان أمثالاً شعبية خرافية أخرى على ألسنة الحيوانات تضيق مساحة المقال عن إيرادها كاملة، والمتأمل في صياغة الأمثال المقتبسة من حكايات الحيوانات يُلاحظ بأنها تكاد تخلو من المحسنات البديعية والسجع إلا في حالاتٍ نادرة جداً، وربما يعود الأمر إلى ارتباط المثل بحكاية محفوظة ومُتداولة، وبالتالي يسهل حفظه واستحضاره عند الحاجة إليه. عبدالكريم الجهيمان محمد العبودي محمد بن حسين الرمضان بداح السبيعي طائر «أم سالم» من شاهدك يا أبا الحصين؟ قال: ذنيبي من علمك هالقَسْم المنسمح قال هالذيب المنسدح