تتسع مجالات الأمثال الشعبية الواردة في مدونات التراث السعودي لتشمل نصوصاً عديدةً متنوعة، من بينها: الأسجاع، والكنايات، وأنصاف الأبيات، والتعابير والأقوال السائرة، والأمثال المقتبسة من نصوص دينية. وقد ألّف الدكتور عبد العزيز السدحان، في الأخيرة (الأمثال المأخوذة من نصوص دينية) كتابه الجميل (أمثال شعبية من الجزيرة العربية مُقتبسة من نصوص شرعية). ومن النصوص التي يُقابلها القارئ أيضاً «الأمثال الشعبية الواردة على ألسنة الحيوانات» أو المخلوقات والكائنات، وهي أمثال يتفوّه بها حيوانٌ أو كائنٌ من الكائنات بإرادة واضع المثل، وتتنوع بين ما ورد على ألسنتها في سياق حكايات الحيوان والحكايات الخرافية، وبين أمثال أخرى يكون اختيار صائغ المثل لنقل فكرته أو حكمته للمتلقي عبر لسان أحد الحيوانات أو المخلوقات اختياراً مقصوداً. الحيوانات والكائنات الحكيمة إذا بدأنا من النمط الأخير وهي الأمثال الشعبية التي يستنطق فيها قائل المثل حيواناً أو مخلوقاً بلسان الحكيم العارف سنستمع، مثلاً، إلى صوت البومة في المثل الشعبي: «البومة تقول: أنا أخير من واحدٍ توخذ عصاه من يده»، وكتب مدوّن المثل الشيخ عبد الكريم الجهيمان (ت2011م) في شرحه بأن البومة من «أخس الطيور»، ومع ذلك فهي ترى أنه من العار على العربي أن يؤخذ سلاحه من يده، ويُضربُ المثل لرفض الذل أو الخضوع للأنداد. وفي مثلٍ آخر: «تقول الرخمة أنا أجود من واحدٍ يُعطى نصف حقّه ويعافه»، فطائر الرخمة المسالم يمنحنا حكمةً عميقة تتعلق باسترداد حقوقنا لدى الآخرين، فالعاقل الحكيم يُحسن صنعاً حين يرضى مبدئياً بنصف حقه، ثم يُحاول استرداد ما تبقى لاحقاً. وقد أورد الجهيمان المثل نفسه في موضع آخر منسوباً إلى البومة: «البومة تقول أنا خير من واحدٍ يعطى نصف حقه ويعافه». وفي مثل أورده الأستاذ محمد بن حسين الرمضان (ت2020م) في كتابه (أمثال وأقوال من عامية الأحساء) أن الحمارة تقول: «حوافري وزوافري في بطنٍ ياوي لي»، ويُضرب «لمن يُقابل النصيحة ممن يرحمه بالإساءة»، فالحمارة الرافسة، وأشباهها من البشر، لا بُد أن تؤذي، وأن تضع حوافرها في بطن من يُحسن إليها! وفي أمثال الجهيمان يجد الناظر المثل: «إن حرّكتوني أعميتكم وإن تركتوني صليتكم» على لسان النار، ويضرب «لمن سيؤذيك على أي حالة من الحالات سواء حركته أو تركته»، وهنا اختار صائغ المثل التركيز على الجوانب المؤذية للنار لإبلاغ فكرته. ومن الأمثال المدونة في مناطق مختلفة من السعودية مثلٌ توضّح فيه «النخلة» الطريقة الصحيحة لغرسها، ففي أمثال الجهيمان أنها تقول: «أبعد أختي عنّي وخذ ثمرتها منّي»، أي أن ترك مسافة بينها وبين أخواتها هو الأصوب لجعلها تعطي ثمرة أفضل، وكتب أن المثل يُضرب لفوائد تباعد الأجسام في بعض الحالات، وأن التقارب في حيز محدود قد يضر أكثر مما ينفع. وأورد الرمضان الصيغة الأحسائية للمثل وهي: «أبعِد أختي عنّي وخذ حَمْلَها منّي»، وقال بأن الفلاحين استعملوه على لسان الغرسة «كقاعدة تتبع في ترك مسافة معقولة بين الغرسة وأختها». وفي حالاتٍ معينة لا يأتي المثل الشعبي على لسان غير الإنسان بقصد منح الحكمة أو الوعظ للمتلقي، إنما يكون لمجرد توضيح حقائق كونية بسيطة قد تغيب عن بعض العامة، ويغالباً ما يُراعى في صياغتها السجع والتوازن بين العبارات، ومن ذلك المثل الذي أورده الشيخ محمد بن ناصر العبودي (ت2022م) في (الأمثال العامية في نجد) ونصّه: «يحسبونني كبر البلحه، وأنا كُبر اللقحه»، فالمثل على لسان «النجمة» توضح خطأ من يظنون أنها صغيرة الحجم، مؤكّدة أن حجمها كبير جداً كحجم اللقحة من الإبل إذا ما قورن بالبلحة. وعلّق الشيخ على مثل آخر مُشابه على لسان القمر، وهو: «يحسبونني كُبر اليدين، وأنا كُبر البلدين»، فذكر أن العامة أدركوا حقيقة أن بُعد الكواكب يُظهرها أصغر من حجمها، لكنهم «لم يكونوا يتصورون عِظم الفرق بين رؤيتها في العين، وبين حقيقة حجمها». كذلك تميز العبودي بإيراد أمثال عديدة صيغت على ألسنة الحيوانات، ربما بقصد بيان شيء من صفاتها أو سلوكها، ومنها قول اليربوع أو الجربوع: «لو يديّّه طول رجليَّه ما تلحقني بنت العبيَّه»، وقد عقّب عليه بالقول: «هذا من الأمثال التي جاؤا بها على ألسنة الحيوانات ... يقول: لو كانت يديّ بطول رجليّ لم تستطع أن تلحقني بنت الأصيلة من الخيل». وفي مثل آخر تقول الأرنب: «مالي غير دِحلي واذاني صديق»، وهو من أمثال البادية على ألسنة الحيوانات، وتبيّن فيه الأرنب أن سبيل نجاتها من الأخطار مرتبط بالاختباء جيداً في جحرها وإرهاف سمعها لرصد أي خطر مُتوقّع. ومن الأمثال الأحسائية الطريفة: «مثلما يقول الديك: الله يطلعنا من هالشتاويه»، فهذا المثل يُضرب لمن تحيط به الأخطار، وكتب الرمضان بأن الديك يكون عرضة للذبح في فصل الشتاء أكثر من غيره من الفصول؛ لأن رب العائلة قد يصعب عليه الخروج، أحياناً، بسبب الأمطار والبرد والعواصف؛ فيكون ذبح الديك أيسر الحلول! وسأعود، إن شاء الله، للحديث عن الأمثال الشعبية ذات الطابع القصصي الواردة على ألسنة الحيوانات وغير الإنسان، وهي الأكثير حضوراً في مدونات الأمثال وشيوعاً في الجريان على ألسنة أفراد المجتمع. عبدالكريم الجهيمان محمد بن ناصر العبودي محمد بن حسين الرمضان يحسبونني كُبر اليدين، وأنا كُبر البلدين إن حرّكتوني أعميتكم وإن تركتوني صليتكم الرخمة بداح السبيعي