من الحكايات الشهيرة التي تحدث فيها ولادة إعجازية من دون أن يكون منطلقها مشكلة العقم -كما في أغلب الحكايات- حكاية بيض الحمل المدوّنة عند مجموعة من الباحثين السعوديين بصيغ وعناوين مختلفة، وقد كتبت عنها بتوسّع في مقال سابق. ففي أساطير الشيخ عبد الكريم الجهيمان تأتي الحكاية بعنوان (سالم وزوجته وأخته)، وفيها تطلب زوجة "سالم" من عشيقها جمع بيض طائر "الحُمّرة"، ثم توهم "سلمى" أخت زوجها سالم بالمرض وتجبرها على ابتلاع البيض من دون طبخ ولا مضغ، "فانتفخ بطنها حتى لا يشك من يراها أنها حبلى" ثم أنجبت طائر حُمرة. أما عند الدكتور سمير الضامر الذي دوّن الحكاية تحت عنوان (بيض الحمّلي وبيض السّمني) في كتابه (احزايه)، فالبيض بيضٌ عجيبٌ مصدره بائع مُتجوّل سمعته الزوجة ينادي: "عندنا بيض الحمّلي، وعندنا بيض السمّني"، وعندما أكلته الأخت المظلومة حملت ثم وضعت أربعة طيور. وفي الصيغة المدونة عند الأستاذ محمد بن ربيع الغامدي بعنوان (يا خالي المخلخلة) في كتابه (ذاكرة الفواجع المنسية: أساطير وحكايات شعبية من تهامة والسراة) تأخذ الزوجة بيضةً من عش غراب ثم تغمرها "بخلطة من حب الرشاد والحلبة وحب الخردل"، ثم تحتال على الأخت وتقنعها بأكل "ست لقم من عصيدة قد كورت تكويرا" وقد وضعت داخل ثلاث منها ثلاث بيضات: "بيضة حمام وبيضة طائر الرخم وبيضة غراب"، فأنجبت الأخت ثلاثة طيور: حمامة ورخمة وغراب.كما ترد صيغة أخرى من الحكاية بعنوان (الضحية) في كتاب (أساطير الأولين بين الخيال واليقين: روايات من تراث زهران وغامد -منطقة الباحة) للأستاذ محمد بن زيّاد الزهراني، وفيها تخلط الزوجة الشريرة "بيضة حُديّا وبيضة غراب وبيضة حية" مع إفطار أخت زوجها، وبعد أشهر وضعت الأخت "فروخ حُديَّا، وغراب، وحيّة". ابن التفاحة وتُشابه الولادة في الحكاية السابقة ولادات أخرى لا تتحقّق بالتمنّي أو التضرّع -لله عز- وجل بالدعاء، بل تنتج بوسائل أخرى كتناول نبات أو فاكهة سحرية أو مادة عجيبة، ومنها الولادة في حكاية (ابن التفاحة) الواردة في (قالت حامدة: أساطير حجازية) للأستاذ عبده خال، فعندما رأت المرأة التي لم تُرزق بالأبناء امرأةً غريبة تُنادي: "أبيع تفاح الحمل... أبيع تفاح الحمل!"، استفسرت عن ماهية هذا التفاح، فأجابت البائعة: "أبيع تفاح الحمل والمرأة اللي ما تحمل تأكل تفاحة واحدة كاملة تحمل على طول". وقد أنجبت المرأة ولدين جميلين من تناولها لتفاح الحمل، وفي المرة الثالثة اشترت تفاحة من البائعة ثم أكلت نصفها وتركت النصف الآخر لأنها شعرت بالشبع، كانت النتيجة أن أنجبت "ولداً ناقصاً في كل شيء؛ فله يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة وأذن واحدة"، وعُرف باسم "النص" وتميز بشجاعته التي اشتهر بها في بلدته. وربما استقى الراوي الشعبي وصف "النّص" من وصف الجاحظ لكائن يُدعى "الشِّق"، وهو بحسب وصفه: "من الجنّ جنسٌ صورةُ الواحد منهم على نصف صورة الإنسان.. له يدٌ ورجل، وعينٌ، ومعه سيف"، وكذلك فقد ذكر ابن كثير الكاهن شِق بلفظ قريب من لفظ "النّص" فقال: "وكان شِق نصفَ إنسان". وردة في حكاية (وردة يا شمعدان)، المدونة في كتاب (التبات والنبات) للدكتورة لمياء باعشن، يُقرِّر الأخ وأخته اليتيمان الفقيران عمارة الخرابة رغبةً في تحسين حياتهما، وأثناء الحفر وجد الأخ وردةً مدفونة في التراب، فأخذها وأعطاها لأخته التي اختارت أن تستبق ذبولها بأكلها، وكما تقول الحكاية: "أكلت الوردة من هنا، وحبلت من هنا"، وقد ولدت الأخت "بنت زي القمر". وأشار الأستاذ محمد السيد في تعليقه على حكاية أوردها والده في كتاب (قصص وأساطير شعبية من منطقة المدينةالمنورة) إلى عدد من الموتيفات أو الوحدات السردية المتصلة بموضوع الولادة الإعجازية، ونقل عن الدكتورة غراء مهنا شيوع المعتقد الشعبي عن فائدة تناول الفواكه كالتفاح والرمان لاكتساب الخصوبة، وانتشار المضمون الفلكلوري للإنسان النبات، وأن العبريين أطلقوا اسم أطفال الأعشاب على الأطفال غير الشرعيين، كما أطلق عليهم الرومان اسم أطفال الورد. المنتوف ويجتمع في حكاية (ابن العجينة منتوف)، الواردة في كتاب (قالت عجيبة) لخال، غرابة الحمل والولادة الإعجازية، وغرابة هيئة الولد، وفيها أن الزوج طلّق زوجته لأنها عاقر، وكانت قد رأت في المنام ليلة زواجها منه حلماً غريباً سمعت فيه صوتاً يقول: "أولادك في العجينة، لن يخرجوا من بطنك"، وعندما قُتل والدها هربت وصارت تعمل في بيع الدقيق، وبعد مدة أحست بألم شديد متواصل في بطنها، وفي إحدى الليالي حلمت "أن بطنها غدا عجينة منتفخة، وسمعت أصواتاً تناديها: أخرجينا يا أمي". وتكرّر عليها الحلم ثلاث ليال متتالية، وفي الليلة الثالثة سمعت صوتاً يقول لها: "كني على عجين من دقيق يخف ألم بطنك". فعجنت "دقيقاً وربضت على تلك العجيبة"، وبعد أيام رأت منظراً عجيباً وهو انقسام العجينة إلى "أربع عجينات، وكل منها يتكوّر ويتمشّج وتجري به عروق دموية"، واستمرت الزوجة في الجلوس على العجينة إلى أن احتالت عليها إحدى جاراتها بطلب النهوض لإعداد القهوة، وبدافع الفضول نتفت الجارة الفضولية إحدى القطع الأربع وشمّتها ففاحت من العجينة رائحة مقززة، وبعد عودة الزوجة شاهدت القطعة المنتوفة فحاولت إعادتها لكنها لم تلتحم مع العجينة، وبعد (21) يوماً من جلوسها على العجينة أحست بحركة تحتها، وكانت المفاجأة وجود "أربع أطفال يتصايحون وكان أحدهم مختوناً". فرحت الزوجة بهم لكنها قررت مغادرة القرية خشية أن تُتهم في شرفها. مع نمو أبنائها لاحظت الزوجة اختلاف هيئة أحدهم، فهو "قصير جداً ومأخوذ من جوفه عدة أضلاع تجعله مشوّهاً عند تعريته، وأن رأسه لين إذا ضُغط التمّ في اليد"، فأطلق عليه إخوته لقب "المنتوف" وصاروا يسخرون منه ولا يلعبون معه. ختاماً فإن الحمل والولادة الإعجازية من الموتيفات أو الجزئيات غير الواقعية المتكرّرة في الحكايات الخرافية لدى معظم الشعوب، ودائماً ما يكون للمولود الناتج من تلك الولادة دورٌ واضح ومؤثر في بناء الحكاية وفي استمرار تناسل الأحداث العجيبة المشوقة فيها. طائر الرخمة محمد بن ربيع الغامدي عبدالكريم الجهيمان