يجهد كتاب "السفن العربية"، الضخم والفاخر الطباعة، في الإمساك بلحظة هاربة، تأبيد الزمن عند محطة معينة، عندما كانت السفن العربية، باختلاف مسمياتها وبتنوع أحجامها قيد الاستعمال، تمخر البحار وتبني جسراً تلو الآخر يربط الحضارات بعضها ببعض، ويقرب الثقافات المتنوعة، والكتاب إذ يروم التوقف عند زمن بعينه، فإنه بهذا الصنيع غير بعيد مما يفعله المبدع، عندما يجهد في محاصرة لحظة زمنية، والتوقف عندها تأملاًً وتعمقاًً وتفكراً. لا يشبه هذا الكتاب، ذو الألوان الزاهية، كتب التوثيق التي تعنى بمواضيع يتهددها المحو والاندثار. إنه كتاب يعرف كيف يعالج موضوعه، في جمع فريد بين"أصالة الموضوع وجدة التناول". نادرة هي الكتب، وهذا واحد منها، التي تقدم المعلومة مقرونة بالفن الخلاق، وإذا حضرت المعلومة، فإنها تحضر في عدد أقل من الكلمات، في سعي إلى تكثيف المعنى، كأننا فعلياً في مواجهة مع نصوص مبدعة. ولا عجب إذاً في أن يستهل الكتاب بأبيات من معلّقة طرفة بن العبد، تقول:"كأن حدوج المالكية غدوة/خلايا سفين بالنواصف من دد/عدولية أو من سفين ابن يامن/يجور بها الملاح طوراً ويهتدي/يشق حباب الماء حيزومها بها/كما قسم الترب المفايل باليد". يمزج"السفن العربية"بين الجمال والتوثيق، بين لحظة الخلق، التي تمثلها أيادي القلافة، صناع السفن وهم يشيّدون هيكل السفينة، وبين التاريخ الذي تكشف أطواره عن أحجام السفن وتبدل ملامحها أو تطورها. يفتح هذا العمل البديع للقارئ، أو المطلع، نافذة أخاذة، على ماضي السفن، على حياتها في لحظات قديمة، على البشر الذين يستعملونها، وقبل ذلك يرعونها ويحافظون عليها. تتوقف الصور، التي تم التقاطها ببراعة لافتة ومن زوايا مدهشة، بألوانها الصافية والرائقة، عند كل جزء في السفينة، مهما كان حجمه، كيف يتم صنعه، أو علاجه، والمواد الأولية التي تستعمل لهذا الغرض. يكشف الكتاب، ان صناعة السفن، ليست مجرد صناعة، إنها فن خلاق، يراعي تدرج الألوان وعلاقاتها مع بعضها، انسجامها مع زرقة السماء، عندما تبحر تحتها. ألوان وزخارف ونحت، معطيات تجعلنا أمام غاليري يضم أعمالاً إبداعية غاية في الفرادة. ينهض عالم سحري بين يدي القارئ، وهو يتأمل في السفن القديمة، في وجوه القلافين وهم يرممون بعضها. ترافق بعض الصور، نصوص صغيرة ليست فقط توضيحية، إنما تسعى إلى مخاطبة قلب المتلقي وروحه، مطلقة العنان لهواجسه وأفكاره، مثل هذا النص:"زرقة السماء والبحر. طعم الحرية. صفرة التراب. الحنين الى الوطن. الخضرة. الجمال. هكذا يحب القلافون والبحارة أن يمزجوا ألوانهم وقد تشاركهم الأمواج ذلك". صدر الكتاب عن شركة"الوراقون"التي تنشط من البحرين"لتروج إبداعاً بصرياً مغايراً، فمنذ تأسيسها كان شغف فريقها المبدع، يتقدمه محمد بوحسن وميساء الأنصاري، منصباً على الاحتفاء بمفردات تراث المنطقة العربية وثقافتها، عبر رؤية فنية فريدة، لتكشف عن مواطن الجمال والعمق والغنى اللامتناهي في حياة شعوبنا الملهمة في الخليج والوطن العربي، من خلال إصدارات ذات جودة فائقة تنتشر في كل دول المنطقة". يقدم الكتاب السفينة، باعتبارها رمز المعرفة والانتقال والتطور، النجاة أيضاً."غير أنها لأهل الخليج بالذات، حقيقة وجودية مرادفة لوجودهم". نقّلب صفحاته ونقرأ"أن البلاد العربية عرفت أنواعاً من السفن، تختلف في حجمها وشكلها ووظيفتها، تلك الأنواع التي انتهى بعضها من الوجود، ولم يبق منها إلا صورها في ذكريات البحارة والنواخذة، وفي أحلام من تعلق قلبه بالسفن... الآن، لم يعد من سفننا الخشبية إلا القليل، نظراً إلى تطور صناعة السفن ودخول وسائل نقل أخرى أكثر فاعلية، وتكاد تطوى أشرعتها لولا اعتناء بعض الدول بالحفاظ عليها كمعلم تراثي". يضيء الكتاب"أيقونات السفر العتيقة، لتقف على قصتها وتتأمل جماليات إبداعها، مع التعريف ببعض الوسائل القديمة والآلات التي كان يستخدمها القلافة، في صناعة السفن الشرعية". ويرسخ تاريخ العرب البحري العريق، الذي يمتد منذ ما قبل ظهور الإسلام، في البحار الثلاثة التي تحيط بشبه جزيرة العرب."عرف عن العرب هيمنتهم على التجارة البحرية في المحيط الهندي في حقبة تاريخية مبكرة، امتدت من القرن الرابع قبل الميلاد حتى النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، حين واجهتهم تحديات البطالسة اليونانيين الذين اتخذوا مصر قاعدة لهم، آلت من بعدهم إلى الروم الذين أبحروا مباشرة إلى الشاطئ الغربي من شبه جزيرة الهند، مستغلين الرياح الموسمية، ملحقين بالعرب نكسة في تجارتهم البحرية. ولكن لم يلبث العرب أن استعادوا صدارتهم في القرن الثالث، ليتقاسموا مع الأحباش صدارة التجارة البحرية حتى القرن السابع، وليستمر الأمر على مد وجزر لفترات أخرى. خطوط بحرية أبحر عرب شبه الجزيرة، بحسب الكتاب، عبر خطوط ملاحية عدة،"انطلقت من موانئهم في محيط شبه الجزيرة العربية للتجارة الداخلية في ما بين مراكزها التجارية، وتواصلت من جهة أخرى مع موانئ الهند والصين وشرق أفريقيا، لتكون صلة وصل بينها وبين موانئ البحر المتوسط، حتى أصبحت - يمثل كل منها شرياناً رئيساً في الاتصالات بين الشرق الغرب، لاعبة دوراً مهماً في ربط المناطق الاقتصادية المهمة في العالم في ذلك الزمان". ويؤكد الكتاب تميز السفن العربية ب"أشرعتها المثلثة، المختلفة عن نظيراتها اليونانية والرومانية والصينية التي كانت مربعة الشكل، كما تصف سفن العرب بأجسامها المقطبة، إما بالألياف أو بالحبال أو بالأطواق قبل استحداث المسامير الحديدية". تنوعت السفن الشراعية في الموانئ الخليجية قديماً،"وتعددت كذلك أسماؤها وأنواعها تبعاً لشكلها تارة ووظيفتها تارة أخرى، فمنهم من قسم السفن بحسب شكلها إلى نوعين: مدببة الطرفين، وهذه تكون كل من مقدمتها ومؤخرتها ذات زاوية حادة، والأخرى تلك التي تكون مؤخرتها ذات شكل شبه مربع أو مستطيل. ومنهم من قسم السفن بحسب وظائفها إلى ثلاثة أنواع: الأول سفن الأسفار البعيدة والنقل البحري، والثاني سفن الغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك، أما الثالث فهو سفن النقل الساحلي". ونعرف من الكتاب أن السفن اختلفت لناحية التصميم بحسب وظائفها"فسفن النقل تتسم بسعتها التي تتحمل البضائع، كما أن بناءها الخارجي مصمم ليتصدى للأمواج الشديدة والعالية، بينما نجد سفن الغوص ذات صوارٍ طويلة، ما يعطيها سرعة أكبر، وتكون مزودة بمجاديف لا يستخدمها إذا سكن الهواء". يبحر هذا الكتاب بالعين والروح معاً،"مع الأشرعة البيضاء المتلألئة إلى زرقة المدى، إذ يشير نواخذة المحيطات وغواصو اللؤلؤ الى حوريات البحر. نعم... إنه عالم سحري، لكنه حقيقي جداً، عاشه البحارة العرب منذ أول الزمان، وما زالت بقاياه ماثلة، يعيش حلوه وشظفه عدد من أحفادهم اليوم". يحاول الكتاب دفع قارئه إلى تذكر حنين السندباد الأول للبحر، كما يتغيا ترويض الزمن إلى حين.پ