يقول أحد الكتّاب الأميركيين إن مشكلة الزنوج في أميركا تبرز حين يفتش الأميركيون عن أماكن الجلوس، وتختفي عندما يقفون. صحيح أن الكرسي يجذب الناس اليه لتبوؤ مركز، والتنافس الشريف على الخدمة العامة حق من حقوق الجميع، فمن كانت لديه المؤهلات والإرادة والاستعداد لتحمل المسؤولية فليشمر عن ساعديه في حلبة العمل من أجل المجموع. والخطأ الفادح الذي يرتكبه كثيرون هو اعتقادهم أن الخدمة العامة تقتصر على نفر من الناس في حين أنها ملك المجتمع. والمجتمع الراقي هو الذي يفسح في المجال لجميع أبنائه للقيام بأداء واجبهم نحو الآخرين. والرغبة لا تكفي وحدها في هذا الصدد، إنها تحتاج الى الاستعداد والعمل المتواصل والنضال، والوصول الى الكرسي هو بداية المطاف وليس نهايته. كرسي المسؤولية ليس وظيفة أو مركزاً سياسياً أو اجتماعياً فقط انه كل عمل يتصل بالإنسان لتأدية الواجب نحو نفسه ونحن مجتمعه. ويتساءل بعضهم لماذا نحو نفسه؟ والجواب ان الإنسان الناقص الجائع المريض الجاهل الكافر البائس لا يمكن أن يكون واعظاً للآخرين ويعمل على خدمتهم. إن كل نظام ديموقراطي يتيح الفرص للجميع بالتساوي للتنافس على خدمة المجتمع، وهو نفسه الذي لا يرحم من يفرط في الأمانة. صحيح أن كثيرين يتمنون الوصول الى مركز، لذا يجب على هؤلاء الأشخاص الخضوع لكرسي الاعتراف، هذا الكرسي هو عملية فحص وتدقيق وكشف ما هو مستور، ودراسة كل شبهة تتعلق بالإنسان المرشح لأي منصب رسمي أو شعبي حساس، لا شك في انه أسلوب ربما يتناسب مع المفاهيم الأميركية والتقاليد السياسية والتجارب الاجتماعية في تلك البلاد، لكنها قد تكون صعبة أو غير مقبولة في مجتمعنا الصغير. ان كرسي الاعتراف منصوب دوماً لكل إنسان، فمنهم من يحمل في نفسه ضميراً هو المدعي والحاكم والمنتقد والمصلح، وهو بتصرفاته هذه قريب الى الكمال والمثل العليا ويحمل في قلبه مشاعر الشجاعة والثبات لفصل نفسه من منصب قد يُسند اليه وقد تأتي به الظروف لأنه لا يملك المقومات الضرورية للقيام بواجبه على أكمل وجه أو لأنه يعرف بعض شوائبه ونقائصه فيرحم نفسه مسبقاً من عناء التكالب وفرض نفسه في موقع لا يتناسب مع حقيقته وواقعه ومواهبه. لكن في مجتمعنا ننسى او نتناسى متعمدين أخطاءنا وشوائبنا ونقائص أولئك الذين يرغبون في التربع على مركز قد يكون له تأثير في مصيرنا ونكشف التعامي عن الوقائع الدامغة بعد فوات الأوان، ومن يهمل المسؤولية، ويتناسى الوعود، والمجتمع يمهل ولا يهمل. والوعي هو الكلمة الأولى في تحديد المسؤولية والحكم على صاحبها بالنجاح أو الفشل. والخلاف في الرأي من أجل المصلحة العامة أمر بديهي وهو ضروري لأن تبادل وجهات النظر وتمحيص الطرق والأهداف من شأنهما أن يوصلانا الى الحقيقة. وعلينا أن نفرق بين الخلاف الشخصي والخلاف في الرأي، فالأول مبني على التنازع لمصلحة خاصة، والثاني يعتمد الأخذ والعطاء لتحقيق المصالح العامة. وممارسة المسؤولية من بديهات كل مركز، وعنصر من أهم عناصر نجاحه، وهي أن ضعفت او تعثرت تحولت الى عكس ما يريده. وان الكراسي التي نتنافس في الجلوس عليها ترفعنا أو تهبط بنا الى أسفل الدرجات وفق تفهمنا للمسؤولية، ومدى وعي المجتمع الذي يعرف كيف يقوِّم الاعوجاج، ويهدي السبيل، ويثير الحماسة، ويهز الكراسي، ويثير النقاش من أجل العمل النافع الشريف. ريما منذر - لبنان