تكرر خلال أقل من سنة قَطْع إمدادات الغاز والنفط الروسيين إلى دول أوروبا الوسطى والغربية بسبب خلافات بين موسكو وكل من أوكرانياوروسيا البيضاء. وأثار هذا القطع العام الفائت من المخاوف والجدل في بلدان الاتحاد الأوروبي ما لم يثره أي موضوع آخر، خصوصاً ان هذه البلدان تعتمد على روسيا في سد ثلث احتياجاتها من الطاقة. ومع فشل الجهود الرامية إلى توقيع اتفاق يضمن استمرار تدفق الغاز والنفط الروسيين إلى هذه البلدان بعيداً من الخلافات السياسية مع الدول التي تمر عبرها خطوط الإمداد، اضطر الاتحاد الأوروبي إلى التعجيل في وضع إستراتيجية جديدة للطاقة تهدف إلى تعزيز أمنه على هذا الصعيد. وأعلنت المفوضية الأوروبية في بروكسيل بعد عشرات الاجتماعات عن هذه الإستراتيجية في 12 كانون الثاني يناير الماضي. ويمكن تلخيص أبرز ما جاء فيها في نقطتين رئيستين. تتلخص النقطة الأولى في تنويع مصادر الطاقة، بما فيها الخارجية، بالتوازي مع ترشيد استهلاكها لتقليل انبعاث ثاني أوكسيد الكربون والحد من تلوث البيئة. وفي هذا الإطار دعت المفوضية إلى التمسك بالطاقة النووية وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وفي مقدمها الشمس والرياح التي ينبغي ان تسد 20 في المئة من احتياجات الأسواق الأوروبية من الطاقة الكهربائية بحلول عام 2020. أما النقطة الثانية فتتناول إدخال مزيد من الليبرالية في السوق الأوروبية للطاقة على قاعدة إنهاء هيمنة الشركات الكبيرة عليها وفتحها أمام استثمارات جديدة. وأكدت المفوضية أهمية فصل ملكية وادارة محطات إنتاج الطاقة عن ملكية وادارة شبكات التوزيع والبنية التحتية لكي يتسنى لأكبر عدد ممكن من المستثمرين الاستثمار فيها وتحقيق مستوى أعلى من المنافسة يؤدي إلى خفض أسعار الاستهلاك العالية. وبغض النظر عن ردود الأفعال المختلفة على الإستراتيجية الأوروبية الجديدة، فإن تطبيقها على صعيد تنويع مصادر الطاقة سيعني تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز والنفط الروسيين خوفاً من احتمال استخدامهما من موسكو كسلاح سياسي ضده. وفي ضوء المعارضة الشديدة لزيادة الاعتماد على الطاقة النووية في معظم الدول الأوروبية وفي مقدمها ألمانيا من جهة، وبما ان مصادر الطاقة المتجددة ودولاً نفطية أخرى كالنروج وكندا والمكسيك غير قادرة على تعويض مصادر الطاقة الروسية من جهة أخرى، فإن البدائل تبقى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصاً أن الاعتماد على دول آسيا الوسطى رهن إلى حد ما برضا موسكو بسبب نفوذها القوي هناك. ويعكس توجه الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة في المنطقة العربية دعوات مسؤولين أوروبيين وألمان إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع دولها، وإلى زيادة واردات الطاقة منها. وفي هذا الإطار برز الاهتمام خصوصاً في اعتماد أكبر على الغاز"الصديق للبيئة"أكثر من النفط. وعلى هذا الأساس بدأت ألمانيا ودول أوروبية أخرى بناء أرصفة خاصة في مرافئها لاستقبال ناقلات الغاز المسال من دول عدة وفي مقدمها قطر والجزائر. أما النقطة المتعلقة بإدخال مزيد من الليبرالية في السوق الأوروبية للطاقة، فإن تنفيذها سيعني فتح هذه السوق أمام الاستثمارات العربية أيضاً، وهو أمر تطالب به دول الخليج منذ بدء مفاوضات الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي. ويشكل فتح السوق حافزاً قوياً لجهات عربية عدة للدخول في شراكات مع نظيراتها من الدول الأوروبية. والفرصة الماثلة أمام أسواق الطاقة العربية لا تنحصر فقط في الاستثمار في الأسواق الأوروبية واعتماد الأخيرة على مصادر الطاقة العربية وفي مقدمها الغاز، فهي تفتح الباب أيضاً أمام الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في العالم العربي وفي مقدمها الشمس. ويعود ذلك إلى واقع قلة أيام سطوع الشمس في أوروبا مقارنة بالدول العربية، ما يفسح في المجال أمام الاعتماد على التكنولوجيا العالية المتوافرة في أوروبا، خصوصاً ألمانيا، في مجال بناء محطات لتوليد الطاقة الكهربائية تعتمد على الشمس المتوافرة على مدار السنة في الصحارى والبوادي العربية. ويمكن هذه المحطات مد الأسواق الأوروبية بجزء من احتياجاتها في إطار تعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية مع العالم العربي. * خبير اقتصادي