تكثف دول الاتحاد الأوروبي هذه الأيام، وفي مقدمها ألمانيا، جهودها على المستويين الوطني والإقليمي في محاولة لوضع استراتيجية جديدة لمصادر الطاقة. ويأتي ذلك في ضوء قطع إمدادات الغاز الروسي عن أوكرانيا أوائل العام الجاري، على خلفية خلافات سياسية بين البلدين، ما أثار انتقادات أوروبية واسعة، وزعزع ثقة بلدان الاتحاد الأوروبي في صدقية موسكو. كما أثار مخاوفها من قيام الأخيرة باستخدام ورقتي الغاز والنفط للابتزاز وتحقيق مآرب سياسية. وفي إطار البحث عن أسس الاستراتيجية المنشودة وتحديدها، عقدت في برلين هذه السنة قمتان وطنيتان للطاقة، برئاسة المستشارة أنغيلا ميركل وحضور ممثلي شركات الإنتاج ومؤسسات صنع القرار. وستستغل الحكومة الألمانية رئاستها الاتحاد الأوروبي وقمة الدول الصناعية خلال العام المقبل، لتقديم برنامج يتضمن تصوراتها حول سبل تنظيم إنتاج الطاقة واستهلاكها على المستوى العالمي في شكل أفضل. أوروبياً، أُدرج موضوع الطاقة على رأس جدول أعمال قمم دول الاتحاد الأوروبي، التي عقدت خلال العام الجاري. وجاءت دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القمة الأخيرة، التي عقدت في فنلندا، لتعكس الأهمية الحيوية لهذا الموضوع بالنسبة الى الاتحاد، الذي يعد أفقر مناطق العالم بمصادر الطاقة الناضبة. وتعد روسيا المورّد الأول للغاز وأحد أهم موردي النفط إلى دوله. وخلال القمة، حاول الزعماء الأوروبيون انتزاع تعهدات من موسكو لضمان تدفق إمدادات النفط والغاز الروسيين إلى بلدانهم، بعيداً من الخلافات السياسية. غير أن الرئيس بوتين رفض ذلك، على أساس أن تقديم مثل هذه التعهدات يتطلب مزيداً من البحث والتشاور لوضع استراتيجية روسية أوروبية مشتركة، لا تقتصر على قطاع الطاقة فقط. ومن شأن موقف كهذا أن يزيد توجه الاتحاد الأوروبي الى تعديل سياسته تجاه هذا القطاع. تهدف الاستراتيجية الأوروبية الجديدة التي بدأت تتبلور معالمها، إلى إدخال مزيد من التنويع على مصادر الطاقة من جهة، وإيجاد السبل الكفيلة بتحقيق مزيد من الترشيد في استهلاك المصادر الناضبة منها وفي مقدمها النفط، من جهة أخرى. ويعني التنويع، تخفيف الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية لمصلحة مصادر أخرى في وسط آسيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وفق ما صرح مسؤولون أوروبيون وعلى رأسهم وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير. كما يعني تقديم مزيد من الدعم والتسهيلات لإيجاد بدائل محلية تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، وفي طليعتها الشمس والرياح. ويخدم التوجه الجديد مد خط أنابيب للنفط من باكو الأذربيجانية الواقعة على بحر قزوين إلى جيهان التركية في البحر المتوسط. كما يخدمه توجه الشركات الألمانية في شكل متزايد للمشاركة في مشاريع النفط الليبية والجزائرية وفي مشاريع الغاز القطرية. أما بالنسبة الى الحد من الاستهلاك، فقد توجهت كل دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمها ألمانيا وفي شكل متزايد أخيراً، الى زيادة الإنفاق على تطوير تقنيات جديدة تساعد على الحد من استهلاك المحروقات، وفي طليعتها الديزل والبنزين والفيول وبقية المشتقات النفطية. أما على صعيد مصادر الطاقة المتجددة، لا تدعم هذه الدول مالياً البحوث الخاصة بتطويرها وحسب، بل تقدم قروضاً ميسرة وهبات سخية للمؤسسات والأفراد الذين يقدمون على استخدامها في ضوء تكاليفها التي لا تزال مرتفعة. وتهدف دول مثل ألمانيا من ذلك إلى زيادة الاعتماد على هذه المصادر، التي يتوقع أن تغطي حاجة السوق الألمانية من الطاقة الكهربائية بنسبة 20 في المئة في السنوات العشر المقبلة. تعتمد ألمانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر على مصادر الطاقة الروسية ومصادر بحر الشمال لسد احتياجات أسواقها. فالسوق الألمانية مثلاً، لا تسد سوى خمس احتياجاتها من النفط العربي، لا سيما من النفط الليبي. فيما لا تشكل الواردات النفطية من دول الخليج سوى أقل من 4 في المئة من احتياجات هذه السوق. إلا أن هذا الوضع سيتغير مع الاستراتيجية الألمانية والأوروبية الجديدة تجاه مصادر الطاقة. وسيحمل هذا التغيير في طياته اعتماداً أكبر على مصادر الطاقة العربية. ولعل تكثيف زيارات المسؤولين الأوروبيين أخيراً إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وتأكيدهم على أهميتها الحيوية من الناحية الجيوسياسية بالنسبة إلى أوروبا، يشكل أحد أهم المؤشرات على ذلك. وتتزامن هذه الزيارات في وقت يعكف فيه المسؤولون لدى الجانبين على إزالة العقبات الأخيرة أمام توقيع اتفاق منطقة التجارة الحرة الخليجية - الأوروبية المشتركة، التي يؤمل منها فتح الباب أمام شراكة استراتيجية تتجاوز الشأن الاقتصادي إلى الشؤون السياسية والأمنية. ويعني ذلك، تعزيز العلاقات العربية - الأوروبية عموماً والخليجية - الأوروبية خصوصاً أكثر من أي وقت مضى. وأخيراً يبقى الأمر المهم بالنسبة الى الجانب العربي في هذا السياق، استغلال التوجه الأوروبي الجديد في مجال الطاقة للاستفادة من التقنيات الأوروبية في تطوير مصادر الطاقة العربية، بما فيها المصادر المتجددة لأن النفط والغاز ليسا مصدرين أبديين.