بعد أن انتهينا من إيجاز علاقة الفلسفة الوضعية المنطقية بالعلم في مقالنا السابق - الذي يُستحسن قراءته كي يتضح لك هذا المقال أكثر - وبيّنا دورها الرائد في دعم العلم مذ ولادتها وحتى أفولها، سنناقش في هذا المقال - وباختصار شديد - أسباب سقوطها وكَشْف أبرز الهجمات النقدية التي أطاحت بها. نبدأ بما نقله يحيى هويدي في كتابه «ماهو علم المنطق دراسة نقدية للفلسفة الوضعية المنطقية» ص33 عن إمام المناطقة الوضعيين موريتز شليك حيث قال: «إن ما يقصده المناطقة الوضعيون بمبدأ التحقيق هو مجرد إمكانية التحقيق» وفارق كبير بين الأثنين فالأول يندرج في عالم الواقع أما الثاني فيكون في عالم الممكن، بالتالي كيف نحكم على جملة لغوية بأنها ليست ذات معنى ونسقطها من عالم الواقع بمعيار لم يدخل هو أصلًا في عالم الواقع، وكيف يكون الممكن حَكَمًا وقاضيًا على الواقع؟! ثم يكشف هويدي عن عداءٍ خفي للوضعيين إذ يقول: في المرجع نفسه ص 43 «إن معيار التحقق أو مبدأ التحقق لا يمكن تطبيقه في العالم الواقع إلا على الميتافيزيقا وعلم الأخلاق وعلم الجمال»!! وأرى أنه هنا دعمهم من حيث أراد إقصاءهم، ورفعهم من حيث قصد إسقاطهم، فإذا كانوا هم قد قرروا أن معيار التحقق فقط يكون على ما يمكن تجريبه حسيًا ومنطقيًا ورياضيًا، فهو قد أضاف لهم - من حيث لا يشعر - الميتافيزيقيا والجمال والأخلاق.. ويقول هويدي في صفحة 37 من المصدر نفسه: «ولكن حديثهم _ أي الوضعيين المنطقيين _ عن قضايا المنطق والرياضة (القضايا التحليلية كما يسمونها) باعتبار أنها تحصيل حاصل وباعتبار أنها لا تنبؤنا عن شيء مما يجرى في الواقع، جعلنا نشعر بأنهما قد أصبحا علمين للتسلية وضياع الوقت، مع أن هذا ليس، ولم يكن في يوم من الأيام». وأرى أن هذا الإدعاء مجانب للصواب، لأن الوضعيين جعلوا المنطق والرياضيات ركيزتين أساسيتين في معيار التحقق إلى جانب التجربة الحسية وقد أثبتنا ذلك في مقالنا السابق بعنوان (القرابة بين الفلسفة الوضعية المنطقية والعلم) هذا من جهة. ومن جهة فإنني أظن بأن هويدي يقصد فتجنشتاين، رغم أنه لم يصرح باسمه. وصحيح أن فتجنشتاين قال إن المنطق تحصيل حاصل، لكنه لم يقل ذلك تقليلًا من شأن المنطق، بل على العكس؛ إذ كان يقصد أن المنطق لا يضيف شيئًا إلى مضمون الواقع، وإنما يحدد مسار العلوم، أي إنه يُظهر الحقائق ولا يخلقها. بالتالي فأن فتجنشتاين ذكر هذه العبارة في السياقٍ الإيجابي وليس في السياق السلبي الذي ساقهُ هويدي فيه، وبدون أن يحدد لنا القائل بالضبط!!. علمًا بأن فتجنشتاين غير محسوب على الوضعية المنطقية، بعد أن خرج عليها.~ويكرر ناقد الوضعية المنطقية الكلام ذاته في ص 170 إذ يقول: «على أي حال، العلوم كما قلنا - تنقسم عند كارناب إلى علوم صورية الرياضيات والمنطق وعلوم تجريبية. فقضايا المنطق والرياضيات قد نظر إليها على أنها تحصيل حاصل». وهذا - بنظري - غير صحيح، فكارناب لم ينظر للرياضيات والمنطق على أنهما تحصيل حاصل، بدليل ما ينقله هويدي نفسه في ص 173 على لسان كارناب حرفيًا إذ يقول: «مهمة التحليل المنطقى قائمة في تحليل كل معارفنا، كل أقوالنا في العلم وفي الحياة اليومية من أجل أن نوضح معنى كل قول منها ونبين الروابط القائمة بينه وبين الأقوال الأخرى». فهل هذا كلام فيه تهميش للرياضيات أو المنطق ؟! وكارناب قال أيضًا: إن قضايا المنطق قضايا تحليلية وصدقها لا يعتمد على الواقع بل على البنية اللغوية وقواعد النظام الصوري. وهويدي ربما أساء فهم هذا الكلام، وأوهم القارئ أن كارناب يعترف بازدرائه للمنطق الرياضي، الذي يُعد الدعامة الأساسية لكل علم. إضافة إلى ذلك أن كارناب يؤسس للحرية المنطقية التي لا تُلزم الباحث بالارتباط بالواقع، وتمنحه مساحة أوسع في الحركة البحثية، وهي الحرية التي يطعن فيها صاحبنا في كل موضع من كتابه. علمًا أن اسبينوزا نادى بقوة بتلك الحرية المنطقية وتبنّتها معظم الفلسفات الحديثة لطابعها الرياضي والفيزيائي. ويقول هويدي في ص 50: «إن التعريف الحقيقي لعلم المنطق عند المناطقة الوضعيين ليس هو البحث في بناء الحقيقة من ناحية تماسكه الداخلى الذاتي (وهذا هو المعنى الشائع السليم لكلمة المنطق أو لكلمة منطقي عندما نتحدث عن تفكير إنساني معين ونصفه بأنه منطقى) بل هو البحث في مجموعة العلاقات التي يتضمنها بناء فكري معين لا يمثل الحقيقة، بل يمثل كلامًا مفهومًا». نلاحظ هنا أنه يحاول التجييش ضد خصومه الوضعيين..، فعندما يزعم أن المعنى الشائع لكلمة منطق هو البحث في البناء الداخلي للحقيقة ويقصد الحقيقة الواقعية، ويريد أن يبين أن الوضعيين شذّوا في تعريفهم للمنطق وخالفوا ما هو متعارف عليه في الوسط الفلسفي. ونقول: أولًا: لو صحّ ذلك فهو مدح لهم لا ذم، فمخالفة السائد الفلسفي علامة على التجديد لا التكرار. وثانيًا: إن المنطق الصوري الذي يُعتنى بصورة التفكير لا مضمونه - ويُقدم قواعد معيارية للتفكير السليم دون الاهتمام بالوجود الواقعي - موجود من قبل الميلاد إلى يومنا هذا، وله - عبر التاريخ - شريحة واسعة من العلماء والفلاسفة، تؤمن به وتستخدمه على مدى قرون، وهو ذاته ما تتبناه الفلسفة الوضعية المنطقية. وحتى لو ذهبنا بعيدًا بعيدًا في إحسان الظن بصاحبنا وقلنا أن الازدراء للمنطق الرياضي هو من عندياته ولا يقصد إلصاقه بكارناب، فهذا لا يقلل من وطأة الملاحظة، إذ لا يليق بباحث كبير مثل يحيى هويدي ازدراء المنطق الرياضي وقد ثبت أنه دعامة العلم. وأنا، عليم الله، لا أقصد التقليل من المكانة العلمية والفلسفية ليحيى هويدي، إذ يظل الرجل قامة علمية جديرة بالاحترام، إلا أنه بشر يصيب ويخطئ، وأنا أجزم بأنه لو جاءنا اليوم واطلع على كلامي، فإنه حتمًا سيرحب بالنقد الموضوعي الهادف. كل ما سبق مجرد إشارات نقدية لكتاب (ما هو المنطق؟ قراءة نقدية للفلسفة الوضعية المنطقية). أما الأسباب الحقيقية التي أودت بحياة الوضعية المنطقية ولم تستطع الصمود أمامها هي كالآتي: 1. معيار التحقق يرتد على نفسه ويأكل ذاته، فالشروط التي يفرضها على الجمل اللغوية لقبولها لا تتوفر فيه هو نفسه، فهو ليس قضية تحليلية ولا قضية تركيبية لنستطيع التحقق من صدقه. إذن فالوضعيون قبلوه على أساس براجماتي. 2. لكي يدحض بوبر معيار التحقيق، جاء بمعيار القابلية للتكذيب، ويعني أن العلم ليس ما يمكن إثباته، بل ما يمكن أن يتجاوز اختبار التكذيب. مثلًا: النظرية التي تقول: كل المعادن تتمدد، إذا وجد معدن واحد لا يتمدد فالنظرية كاذبه. إذن هذه النظرية علمية صحيحة فيما لو تجاوزت اختبار التكذيب، لأننا نستطيع عرضها عليه. مثال آخر على نظرية غير علمية أي غير قابلة للتكذيب: «هناك قوة خفية تؤثر فينا». هذه القوة الخفية لا يمكن أن نضعها تحت معيار التكذيب، فإذن هي غير علمية. وهذا ما يقصده بوبر. 3. الوضعيون أنفسهم أحسوا بأن معيار التحقق لا ينسف الميتافيزيقا فقط، بل ينسف العلم أيضًا، لأن قوانين العلم أيضا ليست دائمًا قابلة للتحقيق. 4. استحالة استبعاد الميتافيزيقا بالمطلق- وهذا كان الهدف الأسمى للوضعية المنطقية - فثمة مفاهيم لا يمكن تجريبها حسيًا ولا يمكن الاستغناء عنها، مثل: العقل والسببية والعدالة والأخلاق والجمال والحب والوجود..إلخ 5. مشكلة القضايا الكلية. القضية الكلية (كل المعادن تتمدد بالحرارة) هذه القضية لا يمكن فحصها بمعيار التحقق لأن ذلك يستلزم فحص كل المعادن، وهذا مستحيل، بالتالي يصعب تطبيقه على العلم، لأن العلم مملوء بالقضايا الكلية. بهذا خَبَتت الفلسفة الوضعية المنطقية، ليس بسبب الهجمات الشرسة التي تعرضت لها فحسب، بل بالتناقض الداخلي في بنيتها الفكرية، واختلاف مؤسسيها اختلافًا كبيرًا. فلم يكن هناك بد من تسليم الراية لكارل بوبر الذي كان مزهوًا بتأسيسه لمنطق الكشف العلمي الصحيح، معتمدًا على معيار القابلية للتكذيب بالدرجة الأولى.