لم ينصت إليها طويلاً. أسكتها بعد بضع دقائق بجملة واحدة حاسمة قطعت عليها كل الطرق والوسائل التي حاولت اعتمادها كي يمنحها مزيداً من الوقت. وقتُُُ كانت في أشد الحاجة إليه لتكمل تلاوة ما حفظه من كلمات وسطور في محاولة منها لتغيير رأيه. سرّعت من نبرة كلامها ومن وتيرة "تفريغ" المعلومات التي اختزنتها على مدى أيام و أسابيع في عقلها بهدف اجتياز هذه اللحظة.، لكنه تجاهل أمرها. أنزل عليها حكماً قاسياً أصابها مباشرة في الصميم من دون أن يتيح لها حتى إمكان التبرير أو الدفاع عن أسلوبها هذا. أسلوب أو نهج تشربته وتتلمذت عليه على مدى أكثر من عشر سنوات ولم تعرف غيره أبداً. نطق الاسف والنتيجة وملامح الاستغراب والدهشة من ردود أفعال نهى يرتسمان على وجهه. فعلى رغم محاولاتها أن تبدو بمظهر المتماسكة والصبورة، كشفت تعابير وجهها وقسماته عن رغبة جامحة انتابتها بالبكاء. ارتجفت حين سمعت قراره. حاولت أن تخفي ارتباكها وحيرتها، لكن حمرة خفيفة علت وجهها وهي تقاوم جاهدة لتدفعه إلى تغيير الدفة لمصلحتها. لكن كل محاولاتها لم تنجح، إذ تمسك هو بموقفه مكتفياً بتوجيه نصيحة إلى نهى، لم تفهم ما القصد منها. خرجت من باب مكتبه، وهي تجر أذيال الخيبة. رأت نفسها في موقف لا يكرم المرء فيه بل يهان. إقرارها بهزيمتها خدش كبرياءها وزعزع ثقتها بنفسها وبقدراتها للمرة الأولى. فهي لم"ترسب"في حياتها قط و لم تتخيل يوماً أن ذلك قد يحدث معها. لكنه"حدث في مثل ذلك اليوم"الذي أدركت فيه أن النجاح لن يكون سهل المنال وأن تحصيل الدرجات العالية لم يعد كما عهدته سابقاً. فالتفوق هنا غير مرتبط بحفظ محتوى المواد عن ظهر قلب فحسب بل بإستراتيجية دراسية وأسلوب تعليمي مغاير لذلك الذي عرفته في مدرستها السابقة. كانت نهى في سنتها الجامعية الأولى في فيينا، بعدما"تخرجت"للتو في إحدى ثانويات المدارس العربية، الفرع الأدبي، بمعدل مرتفع جداً. ظنت بداية أن مجموع علماتها سيفتح لها أبواب الفروع الجامعية على مصراعيها، كما اعتقدت بأن"نجاحها المذهل"في البكالوريا سيسعفها في نيل موقع"الصدارة"على فصلها أو دفعتها ويقربها من نفوس أساتذتها على الأقل. وكان ذلك التفوق شرط والديها قبل إرسالها الى الدراسة في"الخارج". لكن"أحلامها"سرعان ما تبددت في الهواء وتبخرت، اذ اكتشفت أنها ستفقد"الحظوة"التي تمتعت بها عند مدرساتها وزميلاتها وستفتقد صيت المتفوقة الذي أحبته. ففي ربوع جامعة فيينا يسود قانون المساواة والعدالة بين كل الطلبة، لا تمييز ولا تفضيل بين من يبدو مجداً أو متقاعساً إذ أنها تتعاطى مع مفهوم النجاح وتقويمه من زاوية أخرى غير تلك التي نعرفها في مدارسنا أو بلداننا التي أتينا منها. فمعيار التفوق ومقياسه لا يعتمد هنا على العلامات. فهذه جامعة تتيح لأي طارق لأبوابها الالتحاق بالفرع الذي يشاء سواء كان الطب أم الهندسة أم علم الذرة وذلك بغض النظر عما حصده من درجات في امتحانات الثانوية العامة، كأن القائمين عليها وواضعي هذا النظام كانوا سباقين في استيعاب نفسية الشباب وعقليتهم ومدركين تماماً أن"المتفوق"في المدرسة ليس بالضرورة أن يبقى كذلك في الجامعة والعكس صحيح. هذا فضلاً عن أنه نظام لا يعير اهتماماً للمدة الزمنية التي قد يستغرقها الطالب في الدراسة ولا يتوقف عند رسوبه في أول مرة يتقدم فيها للامتحان كونه أمراً اعتيادياً وقد يحصل ولا يعني شيئاً. هو نظام تعليمي يعتمد على حرية اختيار الطالب الفرع الذي يحاكي امكاناته واهتماماته لكي يعمل على تطويرها بدلاً من رهنها بمجموع درجات شهادة الثانوية التي قد يكون لم يحصدها إلا من باب الحفظ والبصم بضغط من الأهل والمدرسين من دون أن يكون بالضرورة فهم كل ما حفظه، علماً أن هذا النظام لم يلغ العمل بمفهوم العلامات إلا في المرحلة الجامعية وفي اختيار الفرع. حال تنطبق على نهى، تلك الفتاة التي دخلت الجامعة متوجسة خيفة من أن تخيب أمل والديها، ومفعمة بحماسة المتفوقين الطامحين إلى الوصول الى أعلى مراتب التحصيل العلمي، لتفاجأ بعد حين بموقفها الهش والهزيل أمام أول"مواجهة"حقيقية وأمام أول اختبار لإمكاناتها. فهي حين بصمت المادة الأولى"من الغلاف إلى الغلاف"لم تكن ترنو إلا إلى أن تواصل مسيرتها الدراسية بنجاح، لكن الرسوب والملاحظة التي عقّب بها الاستاذ الممتحن على نتيجة أول امتحان قلبت مفاهيمها وغيرت منعطف رحلتها الجامعية التي بالكاد استهلتها. فبكلمات مقتضبة أوضح لها الاستاذ أن طريق النجاح لن يكون مضموناً إذا استمرت على ذات المنوال الذي سبق و أن لاقى تشجيعاً في مدرستها وبين ذويها. رددت نهى ما قاله أستاذها حتى بصمته ولكنها تعهدت أن يكون ذلك خاتمة ما تحفظ من دون أن تفقه!