شعراء ورواة وراقصون ومطربون انهوا فعاليات مهرجان"دنيا"السنوي في مدينة روتردام التي قصدوها من جهات الأرض للاحتفال بالربيع الذي يتأخر عادة في الأراضي المنخفضة ولا يغادرها الا بوابل من مطر لا يشبه الوداع. خصصت لكل قارة خيمة كبيرة، خيمة لقارة أفريقيا وخيمة لأميركا اللاتينية، وجمعت قارتي أوروبا وآسيا خيمة كبيرة واحدة. الموسيقى تسمع في كل مكان في فضاء"البارك"الرحب، والزوار يتدفقون من كل مكان يتبعون صوت الموسيقى يحثهم على الحضور، لكن الشمس الخجولة كانت السبب الأول في حضور ربع مليون زائر. كانت الفرق الموسيقية الافريقية والأميركية اللاتينية اجتذبت اكبر قدر من الناس بآلاتها البدائية الغريبة وإيقاعاتها الراقصة وتلك الأصوات الخشنة الساخنة التي تتفجر في سماء أوروبا الباردة. فرقة غنائية مغربية هي"ناس الغيوان"جمعت حولها العرب الظامئين الى أصواتهم المفقودة في هذا المناخ الذي يزداد غموضاً وضياعاً، فرقصوا بطريقتهم الخاصة منفردين. وكانت الصين حاضرة بتنانينها وأساطيرها وموسيقاها التراتبية وقدمت فرق رقصات للأطفال من تراث مملوء بالحكم الغامضة. اما بوليفيا بنسائها ورجالها القصار القامة فقدمت رقصات هي اقرب الى عروض الأزياء، حيث الألوان الحارة ذات الزركشات التي تحاكي ألوان الثمار الناضجة والحركات التي تحاكي الرياضيات في الأداء. وكانت للشعر خيمته أيضاً، ولكن بعيداً من ضجة الإيقاعات وصخب الراقصين، فاحتلت الطرف الآخر من مساحة"البارك"الشاسعة. جمعت خيمة الشعر الرواة والساردين ومغني"الريب"في سلة واحدة، وكذلك الكبار والصغار. أخيراً جاء دور الشعراء، فكان الإيراني أمير افرسابي الذي يعيش في هولندا منذ عشرين سنة، فقرأ من ديوانه الجديد"منفى"عدداً من النصوص بالهولندية والفارسية. كانت النصوص قصيرة وواضحة، تصور حالة الغرباء في عزلتهم وصمتهم بمعالجات صوفية وأحياناً بالسخرية السوداء التي تفضح الخواء والألم. الشاعر العربي الوحيد المدعو الى المهرجان عبدالله الريامي لم يستطع الحضور لظروف وصفها هو بالشخصية، فاضطررت شخصياً الى قراءة نصوصه بالعربية وشاركتني الشاعرة الهولندية"ايخما"القراءة بالهولندية. وتفاعل الجمهور الهولندي بصدق مع إحدى قصائده وعنوانها"رجاء لا تلدي"ويصور فيها بلغة سلسة صحراء الفراغ وضعف الإنسان أمام الواقع المغلق الذي يخنق كل فكرة تتنفس الحرية. "شعراء المدينة"تجمع لشعراء شباب انطلق قبل ثلاث سنوات في مدينة روتردام يشارك للمرة الثالثة في هذا المهرجان... قدم اعضاؤه نصوصهم بطريقة"السلام"وهي طريقة في القراءة اقرب الى غناء"الريب"الأميركي، ولكن ما يميز هذه الطريقة في الكتابة والإلقاء هو ان كل نص يأخذ شكل القصة القصيرة جداً من غير أن يشبه قصيدة النثر الفرنسية، لأنه أولاً موزون وجاد وبعيد من المجانية. في هذه الدورة تشابهت النصوص لأنها كانت تعالج موضوعاً واحداً سموه"كلمة الراقصين". مفاجأة خيمة الشعر كانت الشاعر الايطالي كلوديو بازاني الذي قرأ نصوصه في طريقة مختلفة تماماً عن طرق الالقاء التقليدية، فكان يصفر تارة ويصرخ تارة ويهمس مرة وكأنه يقدم عملاً مسرحياً من نوع المونودراما. وكان لتكرار بعض الجمل الشعرية اثر كبير في خلق ايقاع من نوع خاص. واستطاع ان يستولي على مشاعر الجمهور الذي أصغى بكل جوارحه الى هذا الشاعر الذي يتناول مضامين غريبة تشبه طريقة إلقائه.