إذا كانت أوبرا"صالومي"التي لحنها ريتشارد شتراوس اعتبرت دائماً الاشهر بين اعماله - الى"هكذا تكلم زرادست"- ولا يتفوق عليها في فن الأوبرا الألمانية سوى أعمال فاغنر في شكل عام، فإن ما يزيد من قيمة هذا العمل انه مأخوذ أصلاً من مسرحية في فصل واحد كتبها اوسكار وايلد. ونعرف ان كل ما كان يكتبه وايلد خلال السنوات الاخيرة من حياته، كان يلقى إقبالاً كبيراً من النقاد والجمهور، أولاً لأنه خلال تلك السنوات كان بلغ اقصى درجات نضجه. وبعد ذلك كان معظم ما كان يكتبه، انما يكتبه وعينه على"المعركة"الشرسة التي كان يجابه فيها الملكة فكتوريا، عدوته الرئيسة، والتي"حاربها"وحارب صرامة أخلاق الزمن الذي فرضته في القسم الأكبر من مسرحياته وقصصه وحتى... في شخصه. فوايلد كان يمثل، في كل مظاهر حياته وأسلوب عيشه وجوهر تفكيره كل ما لم تكن فكتوريا تستسيغه. ومن هنا كان قراؤه ينتظرون فيه، دائماً، كل ما هو استفزازي، طريف ساخر وعميق في الوقت نفسه. * طبعاً لا يمكننا هنا ان نذكر صفات مثل"الطرافة"وپ"السخرية"في معرض الحديث عن عمل مثل"صالومي"... لكن الاستفزاز والعمق موجودان بالتأكيد. ولذا لم يكن غريباً أن يعتبر النقاد - وجمهور القراء كذلك - ان"صالومي"هي درة نتاجات اوسكار وايلد. ولم يكن غريباً أن يختار ريتشارد شتراوس، من بين عشرات الأعمال الروائية والمسرحية التي كتبت عن حكاية صالومي ورقصتها الشهيرة وتوقها المرعب للحصول على رأس يوحنا المعمدان مقطوعاً، مسرحية اوسكار وايلد. هنا، قبل أي شيء آخر، لا بد من أن نذكر ان"صالومي"اوسكار وايلد، كانت - في العامين 1891، 1892 - أحد الأعمال التي كتبها مباشرة بالفرنسية. وهو، يومها، لشكه في أن تكون لغته الفرنسية قادرة تماماً على التعبير عن كل ما كان يريد ان يقول، طلب ان يقوم بمراجعة النص ثلاثة من كبار أدباء ذلك الزمن: مارسيل شووب، ستيوارت ميريل وبيار لويس... علماً ان الكاتب ألفريد دوغلاس، كان هو الذي ترجمها بعد ذلك الى اللغة الانكليزية. علماً ان الحكاية تروي لنا أن اوسكار وايلد لعب بنفسه ! دور صالومي ورقص رقصتها متزيناً بسبعة أثواب، ذات مرة - لكن هذه حكاية اخرى لا تعنينا هنا -. ما يعنينا هنا هو هذا العمل نفسه، الذي قدم على خشبة المسرح للمرة الاولى في باريس، وحقق يومها نجاحاً مذهلاً. وإذ رغبت فرقة انكليزية في تقديمها في لندن إثر ذلك، سارعت الرقابة البريطانية الى منع عرضها كلياً، متذرعة بأسباب دينية. ولنا ان نتصور فوراً كيف ان هذا المنع زاد المسرحية نجاحاً فوق نجاح، وتلقفتها بلدان القارة الاوروبية كلها تترجمها وتقدمها، حباً بالمسرحية، وتقديراً لأوسكار وايلد وأدبه ولكن... ايضاً - خصوصاً - نكاية بفكتوريا وزمنها الاخلاقي المتعنت بحسب وصف واحد من كاتبي سيرة اوسكار وايلد، ريتشارد إيلمان. طبعاً لم يكن اوسكار وايلد اول الذين كتبوا مسرحية عن"صالومي"، اذ فعل ذلك قبله كثر. اما هو فإنه خاض اللعبة بمهارة، مستعيناً - كما يقول الباحثون والنقاد - بتقنية مسرحية كان موريس مترلنك سبقه اليها في مسرحية"الأميرات السبع"التي نشرت في الوقت نفسه تقريباً، وكان لدى وايلد، على أية حال، متسع من الوقت لقراءتها. بل ربما تكون هي التي اعطته فكرة الكتابة عن صالومي. اما هذه التقنية فتقوم - بحسب الدارسين - في"اعطاء كل شخصية، ينظر اليها على اساس انها مجرد آلة في يد الاقدار، قوة درامية تكون مستقلة عن الاهواء المحيطة". اما العنف المرعب الذي زود به اوسكار وايلد مسرحيته وهو عنف لم يفت عدد من النقاد وصفه في ذلك الحين بأنه"عنف شرقي" فيبدو ان اوسكار وايلد عثر على جذوره في أدب فلوبير، ولا سيما في"هيروديا"القصة التي جمعها الكاتب الفرنسي هذا مع قصتين أخريين ليحولها معاً الى كتاب"ثلاث حكايات". إن أول أمر اهتم به اوسكار وايلد في هذه المسرحية هو خلق الجو الكئيب القاتل الذي تتحرك الشخصيات داخله. فبالنسبة اليه - وقبل ولادة التعبيرية الألمانية بسنوات طويلة - كان المناخ المحيط بالمكان الذي يجري فيه الحدث، معبراً عن أهواء الشخصيات وعوالمها بحيث يكفي المتفرج ان يلقي النظرة الاولى حتى يحس نفسه وقد تسلل الى داخل الشخصيات وتلبس عواطفها، ولا سيما هنا العواطف الشريرة التي تحرك صالومي. منذ البداية تصغي الحسناء صالومي، ربيبة هيرودوس، الحاكم المطلق، الى صوت القديس آتياً من عمق أعماق البئر - أو خزان الماء - الذي وضع فيه أسيراً. وعلى الفور تتملكها رغبة هائلة في التعرف اليه. اجتذبها صوته فرأت هي ان عليها ان تراه، أن تعرف ما الذي يختبئ خلف ذلك الصوت... وأكثر من هذا: خلف العبارات التنبؤية التي راح المعمدان يتفوه بها متوقعاً لعائلة هيرودوس أبشع المصير بسبب فسادها. وهنا تأمر صالومي حارساً سورياً شاباً بأن يأتيها بالأمير فيفعل، وما إن تراه، حتى تحس بانجذاب مدهش نحوه فتحاول اغواءه لكنه يرفضها رفضاً قاطعاً ويلعنها هي وأسرتها الى أبد الآبدين. أما الحارس السوري، المولع هو بصالومي، فإن نار الغيرة تأكل فؤاده إزاء ما يرى ويسمع ولا يكون منه إلا ان ينتحر رعباً ويأساً... فيما يتدفق دمه فوق قدمي هيرودوس الذي كان، في ذلك الحين يتمشى في الحديقة ويأكله هو الآخر شغفه بالحسناء صالومي. وهنا يطلب الحاكم من ربيبته ان ترقص له، واعداً إياها في المقابل بأن يستجيب ما تطلب فيكون طلبها واحداً: انها تريد رأس المعمدان مقطوعاً. وبالفعل ما إن تبدأ بتأدية الرقصات حتى يدخل الحراس حاملين الرأس المقطوعة. وهنا في خضم انتشائها بالرقص تشعر صالومي ان في امكانها ان تقبّل ذاك الذي رفضها ولعنها. لقد حققت انتصارها عليه. وهي إذ تشعر بنشوة الانتصار، لم تكن قد حسبت حساباً لأحاسيس هيرودوس تجاهها، ولا لرعبه إزاء المنظر الماثل امامه. وهكذا، في اللحظة نفسها التي تكون قد حققت رغبتها، يصرخ هيرودوس هلعاً، ويأمر الحراس بأن يسحقوا بدورهم تلك الغانية المجنونة التي، اذ تمنعت عليه لم تجد مغبة في الهيام برأس قديس مقطوعة... إن أمره بقتلها هو، في الوقت نفسه، عقاب لها على جريمتها، لكنه كذلك انتقام منها بسبب صدها إياه... وفي الوقت نفسه تحقيق فوري لنبوءة المؤمن الأسير الذي كان توقع للعائلة الفاسقة الفاسدة هذه، كل خراب ودمار وبأن يأكل أفرادها بعضهم بعضاً قبل ان يأكلهم الدود جميعاً. إذا كانت القيمة الفنية لپ"صالومي"تعتبر اليوم أمراً مسلّماً به... فإن عدداً كبيراً من النقاد، رأى في ذلك الحين، ان اوسكار وايلد كان في امكانه ان ينتج افضل من النص الذي انتجه في نهاية الامر. ولا يعني هذا انهم رأوا نص صاحب"صورة دوريان غراي"وپ"أهمية ان تكون إرنست"، اقل قيمة من نصوص أخرى كتبت عن صالومي، بل لأن مستوى كتابة اوسكار وايلد 1854-1900 كان يتيح كتابة افضل وأكثر حرية، خصوصاً ان الموضوع نفسه يحمل في طياته ما كان من شأنه ان يحرك مخيلة اوسكار وايلد الابداعية اكثر وأكثر. غير ان هذا لم يمنع نقاداً آخرين من ان يعتبروا"صالومي"الأكثر قوة واكتمالاً بين أعمال الكاتب المسرحية. وسواء كان الأمر هذا او ذاك، فإن المهم ان وايلد تمكن عبر هذا العمل من استفزاز السلطات الرقابية الانكليزية، وأزعج عدوته اللدودة الملكة فكتوريا، وسدد الى اصحاب النزوات من اهل السلطة في كل مكان وزمان، ضربة موجعة. وهو لم يكن، في نهاية الأمر، ليتطلع الى أكثر من هذا.