يشهد الأردن منذ فترة حراكاً سياسياً في اتجاه بلورة معالم الإصلاح السياسي الذي يرجح ان يعطى دفعة جديدة بعد أن تقدم لجنة الأجندة الوطنية توصيات حول قضايا الإصلاح السياسي ترفع الى العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني. وأعلن المركز الأردني للبحوث الاجتماعية اخيراً نتائج"الاستطلاع الوطني للتحول الديمقراطي والإصلاح السياسي"حول عدد من القضايا المطروحة للنقاش في الساحة السياسية الأردنية، اشارت الى ان المبادئ والقيم الديموقراطية اصبحت راسخة لدى المواطنين الأردنيين. اذ اعلن 78.8 في المئة تفضيلهم حكومة تكون سلطتها متوازنة مع البرلمان، وأيد 71.1 فئ المئة إعلاماً قادراً على انتقاد الحكومة بحرية، وأبدى 63.8 في المئة دعمهم قضاءً مستقلاً عن الحكومة. وأيدت غالبية ساحقة 80.2 في المئة مجالس بلدية منتخبة من قبل الشعب المجالس الحالية ورؤسائها ونصف أعضائها معينون من قبل الحكومة. واعتبر 74 في المئة بأن الأسلوب المناسب لتغيير الحكومة هو الاحتجاجات السلمية، وهذه توجهات لا يمكن الاستهانة بأهميتها وتمثل نزعة شعبية الى مزيد من الديمقراطية والحرية. وحول الثقة بمؤسسات الدولة العامة الرسمية وغير الرسمية، كانت لافتة الثقة العالية التي حصلت عليها مؤسسة الأمن العام والجيش 74.8 في المئة و71.7 في المئة على التوالي، وتدنيها إلى درجة كبيرة لدى المؤسسات المنتخبة أو تلك التي تمثل المجتمع المدني: الأحزاب السياسية 11.1 في المئة والبلديات 18.4 في المئة، والنقابات المهنية 20.3 في المئة، والمنظمات غير الحكومية 27.3 في المئة، والبرلمان 28.9 في المئة. وهذه النتائج تنطوي على نقطتين مهمتين: الثقة والاحترام للمؤسسات الأمنية بسبب مهنيتها وقدرتها على المحافظة على الأمن والاستقرار الذي يعيشه الأردن في ظل الفوضى الأمنية في مناطق الجوار. وثانياً، عدم قدرة المؤسسات المنتخبة على تحقيق طموح المواطنين واكتساب ثقتهم بأدائها ونتائج عملها. ويعزز ذلك، ضعف ثقة الناس من الحصول على إجراءات عادلة ومنصفة في عدد كبير من المؤسسات المحكمة 39 في المئة، والقبول بالجامعات 12 في المئة، والحصول على وظيفة 6 في المئة، وضريبة الدخل 6 في المئة. وهذا يدل على أن الشعور بالعدالة متدنٍ لدى المواطن الأردني. ويتضح من نتائج الاستطلاع أن هموم المواطن الأردني أصبحت حياته ومعاشه ووظيفته. إذ تصدر غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار والبطالة والفقر وتردي الوضع الاقتصادي المشكلات التي يشعر المواطنون بأنها تواجه الأردن اليوم. وهذه هموم تدعمها الدراسات والإحصاءات حول الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. وأعرب 58.1 في المئة عن اعتقادهم أن أهم الفروقات في المجتمع الأردني هي بين الأغنياء والفقراء، ورأى 88 في المئة أن هذه الفروقات زادت في السنوات العشر الأخيرة. أما في الجانب السياسي، فاحتلت مشكلة الفساد الأولوية في المشكلات السياسية والتي يعتقد المواطنون بأن على الحكومة أن تعالجها في شكل عاجل، يليها تدني المشاركة الحزبية. وأظهرت النتائج وجود فجوة كبيرة بين مواقف النخبة السياسية غير الرسمية والمواطنين خصوصاً في ما يتعلق بقانون الانتخابات ودور النقابات المهنية. ففيما يسود شبه إجماع لدى الأحزاب السياسية على إلغاء قانون الانتخابات المعمول به حالياً والذي يقوم على مبدأ الصوت الواحد للشخص الواحد، أشارت النتائج إلى أن نحو 60 في المئة مع إبقاء هذا القانون وأن 17 في المئة فقط مع تغييره. وبالنسبة الى النقابات أيد 49 في المئة دوراً مهنياً وليس سياسياً للنقابات وكان 58 في المئة مع طوعية العضوية وليس الزاميتها فيما تصر النخبة السياسية غير الرسمية على إلزامية العضوية وعلى حقها في العمل السياسي والمهني من دون تنازل. وقد لا يكون الاختلاف بين رأي المواطنين والنخبة غير الرسمية أقل حدة من الاختلاف بين المواطنين والنخبة الرسمية في بعض المجالات وخصوصاً في ما يتعلق بالاتجاه الذي يسير فيه البلد، إذ اعتبر أقل من النصف بأن الأمور في الأردن تسير في الاتجاه الصحيح مقارنة مع 44 في المئة رأوا ان الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ، وهذا يشير إلى انقسام المجتمع الأردني حول الاتجاه الذي تسير فيه الأمور. ومن النتائج الإيجابية لهذا الاستطلاع الاتجاهات الداعمة لمشاركة المرأة في الحياة العامة والسياسية على حد سواء. إذ أشارت النتائج إلى دعم غالبية المستطلعين وإن بنسب متفاوتة لعمل المرأة خارج البيت، والمساواة والتكافؤ بالفرص والرواتب والمشاركة السياسية من خلال الانتخاب والترسيخ وتبوؤ المناصب السياسية كالسفراء والوزراء وحتى رئاسة الوزراء ودعم كبير للكوتا النسائية. وتترتب على هذه النتائج اعتبارات مهمة لمسألة التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي وينبغي أن تؤخذ مؤشرات من قبل الحكومة والمجتمع المدني على حد سواء، ومن أهمها قيام الحكومة بخطوات جريئة في عملية الإصلاح السياسي وحسم عدد من المسائل سواء بالنسبة الى قانون الانتخابات أو الأحزاب السياسية أو النقابات المهنية أو في مجال دور المرأة أو غيرها. وهي بذلك يمكن أن تستفيد من الدعم الشعبي الكبير لهذه المسائل، وأن لا تبقى رهينة لمواقف النخبة السياسية المعارضة التي لا تلقى تأييداً كبيراً في الشارع الأردني. كما ينبغي على الحكومة تحسين أداء مؤسساتها وتعزيز المساواة ومعالجة مشكلة الفساد والبطالة والفقر وتحسين شروط المعيشة للمواطنين. ويترتب على الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الاقتراب ببرامجها من حس الشارع ومشكلاته وتقديم الاقتراحات والبرامج والمساهمة في حل المشكلات التي يعانيها المجتمع الأردني، والابتعاد عن التشدد في عدد من المسائل وتفعيل المشاركة السياسية للمواطنين. وأخيراً، فإن الجدل الدائر حول الإصلاح السياسي هو جدل داخلي بين النخبة السياسية الرسمية وغير الرسمية من دون مشاركة تذكر من قبل المواطنين. الا إن نتائج هذا الاستطلاع، وغيره التي أجرتها مراكز أخرى، يدل على أن توجهات الشارع الأردني أقرب إلى رؤية الملك عبدالله الثاني منها لدى الحكومة أو المعارضة، وأن هذه الرؤية لم تترجم بعد لدى النخبة السياسية الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. * أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، مدير المركز الأردني للبحوث الاجتماعية.