تمزج الأعمال الجديدة التي قدمها الفنان التشكيلي عوضه الزهراني، في معرضه الأخير في جدة، بين خامات عدة، سعياً إلى كشوف لونية وتعبيرية مميزة. وفي مجمل المعرض، تتقدم اللوحات لتلمس الذات البشرية، وتقاطعها مع لون وملمس خشنين، كلحية رجل في شكل عينه، أو نبتة عشبية متجمدة تشبه لون الماء. وثمة حضور لأشياء تختزل معاني كثيرة، وتحرك إحساس المتلقي نحو الداخل، ويكشف من خلالها عن العتمة عندما تضاء بمصباح الأمل. يقول الزهراني عن تجربته:"إنها إعادة قراءة لزوايا أحتفل بها في مساحاتي التجريبية، لكي أحدد معالمها وأعيد التأكيد على حضورها... تعمدت نحت ظلالها، وتعميق حضورها، مع ما أضمنه من قيم في تناول مفرداتي بدلالاتها البصرية والفلسفية". والفن يتوضح في المعرض بصفته قيمة إنسانية، تتيح التواصل مع المجتمع والعالم. ويستخدم الفنان أحياناً يده بدلاً من الريشة، في توضيح هذا التفصيل أو ذاك، كما في الوجه مثلاً، ومنحه لون الصدأ بقصد تعميقه أكثر. تسعى التجربة الجديدة للزهراني الى تقديم دلائل رمزية فاتنة لمعنى الذات، وكأنه يرشد المتلقي إلى حس آخر، إلى معنى خبئ في حياته. وكان المعرض حمل عنوان"تعالقات"، وفي واحدة من اللوحات علّق كوباً ليصنع من ظله شاهداً على التجريب. ومن مظاهر التجريب أيضاً، لوحة تدور في فضاء المعرض، وتتشكل من الظل، وتحكي عن صراع يولد الآخر. يظل عوضه الزهراني يبتكر تجريباً يبحث عن الحقيقة، ويصوغها في شكل يتقبل الحاضر ويكون هو الحاضر للغائب. يشدك الملتقى بحضور الأبيض والأسود، كالنور والظلام... لمسات بسيطة تعرف كيف يكون الأمر بسيطاً وهو آخر، وكيف يكون الروح ظاهراً وهو غائب، وكيف نذكره ولا ننساه، ونظل نحلم بفن يمجده. ويمكن ملاحظة ذلك في مزج اللون بالخامة على سطح يحمل لونين، مثل امتزاج الماء بالطحين ليصير لدينا عجين. رؤى البصر تتكلم عن تقنية تظهر متعانقة مع القطعة الفنية، وتصور حكاية سردية تطرح معانيها للمتلقي في شكل إشارات عميقة وشفافة. يذكر أن الزهراني قدم تجربة سابقة عام 2000 في جدة، بعنوان"مساحة تجريب". كما شارك في معارض الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ومعارض بيت الفنانين، ومعارض المركز السعودي، وسواها من المعارض في مدن المملكة، إلى جانب مشاركات خارجية في اسبانيا ولبنان وإيطاليا والكويت، كما شارك أيضاً في بينالي الشارقة، وصالون الشباب في مصر.