كنتُ شكوت مرّة من انني أكتب مقالاً أهاجم فيه جرائم حكومة آرييل شارون تعليقاً على آخر ما اقترفت أو ارتكبت، ثم أزيد موضحاً ان شارون وأمثاله أقلية بين الاسرائىليين واليهود. ففي كل استفتاء نظّم حتى الآن كانت هناك غالبية واضحة مع السلام. وتكون النتيجة انني أتلقى رسائل من قرّاء يهود، أميركيين وغيرهم، تهاجمني لأنني هاجمت شارون وتعتبر انني ضد اليهود، ورسائل من قرّاء عرب تحتج على دفاعي عن غالبية اليهود، فعند هؤلاء القرّاء، اليهود كلهم شارون أو شاؤول موفاز أو مائير داغان. أمامي اليوم رسالتان، واحدة بالبريد الالكتروني من القارئ روان باركلي، وأخرى بالبريد من الخُبر، ومعها عنوان الكتروني احتفظ به. القارئ باركلي يعلّق على رسالة نشرت بعضها للقارئ ربيع سعدالله شايع من ألمانيا قال فيها انه اذا وجدت جماعات يهودية تدعو الى السلام مع العرب، فهي غير مؤثرة، لأن الحكم دائماً في أيدي أمثال شارون. وربما كان الأمر مجرد ضحك على العقول: فوجود دعاة السلام هؤلاء يجعلنا نعتقد ان السلام ممكن أو مقبل. ويقول القارئ باركلي ان هناك طلاب سلام كثيرين في اسرائيل منذ تأسيسها، مثل أميرة هاس التي تكتب في "ها أرتز" ويوري افنيري الذي تنشر مقالاته صحف في اسرائيل والخارج. الا انه يزيد ان المشكلة ربما كانت تكمن في "التسامح القمعي"، كما يقول المفكر الماركسي هيربرت ماركوزي، وهذا مظهر من الديموقراطية يصعب فهمه، ومقالات أميرة هاس في "ها أرتز" مثل عليه، فهي تنشر بانتظام، ولكن مثل هذه المقالات يحاط بأخبار تافهة عن الأزياء والثقافة وغيرها تعطي القارئ انطباعاً بأن الأمور طبيعية، ما يفقد المقال الجاد التأثير الذي يستحق. الرسالة من الخُبر تعترض على معارضتي العمليات الانتحارية الاستشهادية، ورفضي ان تمرّ طريق فلسطين بنساء وأطفال قتلى وتسألني: هل تستطيع ان تقول ان احتلال فلسطين تمّ بالمسيرات السلمية الصامتة؟ ألم تسجّل أعنف وأبشع جرائم القتل وهدم المنازل وتشريد الملايين من ديارهم؟ وتزيد الرسالة انه "لم تسجل حتى الآن عملية استشهادية واحدة في حضانة مدرسة أطفال أو في جامعة، أو داخل مأوى عجزة، مع ان هؤلاء الأبطال قادرون عليها، لكنهم يرفضونها للبعد السياسي الناجم عنها... ونحن نتمنى ان يكون للعمليات الاستشهادية بعد ومكسب استراتيجي وسياسي كبير بعيد المدى. فالشهيد أجره الجنّة، واستمرار المقاومة له مكاسب سياسية لا يعلمها سوى منفّذيها... والنقطة الأهم انني أعترض على تشبيهك قتلاهم بشهدائنا، فهم الغرباء ونحن أصحاب الحق...". أقول ان رضا الناس غاية لا تدرك، وأكمل برسائل أخرى. القارئ حسّان رُجَيب من لندن يشكرني على ما أكتب، ويُشير الى ما كتبت عن كونراد بلاك وسقوطه عن عرش مجموعة "التلغراف" ويزيد حادثة تابعها قبل سنوات عندما عرض بلاك كمية كبيرة من أسهمه في الجريدة للبيع ثم خفض سعر بيع الجريدة بعد قيام حرب الأسعار التي بدأتها مجموعة "التايمز"، وهبطت بسرعة أسعار أسهم "التلغراف" وخسر مئات من المستثمرين مالهم. وكانت النتيجة ان مؤسسة كازانوف البنكية استقالت من تمثيل بلاك والمجموعة. أما الأخ سمير زايد فيسأل لماذا يركز السيد محمد البرادعي، رئيس اللجنة الدولية للطاقة الذرية، على ايران وليبيا ويقول انهما انتهكتا بعض المعاهدات النووية الدولية وينسى أو يتجاهل الترسانة النووية الاسرائيلية. ويتمنّى القارئ لو ان السيد البرادعي يملك الشجاعة لمطالبة اسرائيل بفتح تسهيلاتها النووية للتفتيش... ربما بعد ان يتقاعد لئلا يخسر عمله. أعرف السيد البرادعي، ولا أعتقد ان الشجاعة تنقصه، غير انه لا يستطيع ان يفعل شيئاً في وجه إصرار الولاياتالمتحدة على حماية اسرائيل وترسانتها النووية، وملاحقة الدول الأخرى بوقاحة متناهية. مع ذلك القارئ مصيب تماماً في شكواه، وقد سجلت مثلها في هذه الزاوية مرّة بعد مرّة. وتلقيت رسالة بالفاكس وقعت معها في حيص بيص، فقد كانت بالألمانية، مع بضع كلمات بالعربية هي في البداية "احترام وتقدير للأستاذ جهاد الخازن" وفي النهاية "سلام، هشام التقي". واستعنت بابنتي وشرحت لي ان الرسالة تتحدث عن كتاب الوزير الألماني السابق اندرياس فون بولوف الذي كتب يقول ان وراء أحداث 11 أيلول سبتمبر من السنة 2001 مؤامرة لوكالة الاستخبارات المركزية. وكانت "الحياة" عرضت الكتاب هذا في حينه. وأقول للأخ هشام انه إذا عجز عن ان يكتب لي بالعربية أو الانكليزية، فليحاول بالفرنسية. أما الألمانية فقد درستها سنة في بيروت ولم أعد أذكر منها سوى "إيش هابت غيهابت" في بناء الأفعال، ولا شيء غير ذلك. أما الأخ صلاح الدين القاضي، من الإمارات العربية المتحدة، وهو صديق دائم، فيتابع أخبار الصحف عن كشف ريتشارد كلارك، المستشار السابق للبيت الأبيض في شؤون الارهاب، ان ادارة بوش بعد ارهاب 11 أيلول ركّزت على العراق، مع انه كان واضحاً ان القاعدة وراء هذا الارهاب. ويزيد القارئ ان هذه الأخبار "تؤيد ما ذكرت مراراً وتكراراً في زاويتك من ان هناك عدداً من كبار المسؤولين في ادارة الرئيس بوش استطاعوا ان يخطفوا السياسة الخارجية الأميركية، وان يوجهوها وفقاً لمصالح اسرائيل وحزب ليكود الحاكم بزعامة مجرم الحرب آرييل شارون. بل وأشرت إليهم بالاسم في ما كتبت وهو الأمر الذي يضع جورج بوش الآن في مأزق وهو يخوض حملة انتخابات ويرفض ان يعترف بالخطأ...". ويسأل القارئ: هل يدري الرئيس بوش الى أين يوجه هؤلاء الليكوديون من المحافظين الجدد سفينته؟ ربما سيسأل عندما ترتطم السفينة بصخور الشاطئ، ولكن أختتم اليوم برسالة قصيرة بالفاكس من القارئ محمد عثمان من الرياض، فهو يقول ان هناك حديثاً يومياً عن اللاسامية، ولكن لم يقرأ بعد تعريفاً واضحاً لها. اللاسامية هي معاداة اليهود لأنهم يهود، وهذا هو التعريف الغربي الحديث لها، ومع ان العرب وشعوباً كثيرة أخرى في منطقتنا سامية قطعاً، فإن العبارة في القاموس وفي الاستعمال اليومي في الغرب أصبحت خاصة باليهود، خصوصاً بعد المحرقة النازية، وتنطبق على شخص يكره اليهود لا لذنب اقترفوه أو خلاف شخصي مع يهودي، وإنما لمجرد كره جنسهم.