يجاور السودان دولاً متباينة في سياساتها واستراتيجياتها وانتماءاتها المحورية. فلا نجد فيها ثلاث دول من العشر التي حوله متفقة في رؤية موحدة حول غالبية القضايا الإقليمية والدولية. وأن موقع السودان بين تباين الفرانكوفونية، من تشاد وافريقيا الوسطى غرباً، مع حزام الكومنولث من يوغندا والكونغو جنوباً، الى تجمع القرن الافريقي، العظيم جداً في مخيلة الاستراتيجية الأميركية، ثم مصر والبحر الأحمر وليبيا، بحسبانها محور الارتكاز في الأمن القومي العربي- كل هذا التباين انعكس سلباً في الواقع المحلي في السودان. لقد اثر تباين المصالح الإقليمية والدولية لهذا الجوار، الفريد من نوعه، على الاستقرار السياسي في السودان بشكل واضح منذ الدولة العثمانية الى الآن. وأنشأ مناخاً ملائماً لإنتاج الحلقة الجهنمية، ديموقراطية انقلاب عسكري والعكس، حتى بعد الهدوء النسبي للانقلابات العسكرية، غداة نهاية الحرب الباردة وظهور القطب الواحد. ان ذلك التباين هو السبب الرئيس لعدم استقرار السودان والمحير لكثيرين، وعلامة الاستفهام التائهة عن كثير من المهتمين والمتعاطفين مع الشأن السوداني. اما جنوب السودان، وهو المعني بكثير من ظلال ذلك التباين، فقد اخذ نتاج الحلقة الجهنمية فيه اشكالاً وأبعاداً ومراحل وتطورات مختلفة. وتبلورت في اشكال متعددة من التمرد المسلح على السلطة الشرعية وصل الى حد الحرب الأهلية. وعلى رغم الأبعاد الخارجية لغالبية مراحل التمرد في جنوب السودان، إلا انه ظل شأناً محلياً، وبؤراً داخلية للتوتر والصراع المسلح بين السلطة الشرعية والسيادة الوطنية. اما في المدة الأخيرة فقد اخذت الحرب الأهلية بعداً جديداً ومراحل متطورة ومختلفة وتحديداً في ظل حكم الحركة الإسلامية. وقد جاء ذلك لعوامل عدة سياسية. 1- وصول الحركة الإسلامية في السودان الى السلطة عبر انقلاب عسكري في 1989، وما تبع ذلك في خطابها السياسي في تصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار، ومنها للعالم، وإعلان الحرب على اميركا "اميركا قد دنا عذابها"، وإعطاء الحرب الأهلية التي كانت دائرة قبلاً بعداً دينياً وجهادياً جديداً. 2- نهاية الحرب الباردة ووصول القطب الواحد، اميركا، الى شبه الهيمنة على العالم. وهذا رتب عليها مسؤولية الاضطلاع بدور محوري في قضايا انسانية، اهمها السلام العالمي ومدى ارتباطه بالسيادة الوطنية، وحقوق الإنسان والديموقراطيات في العالم. فاختلف الأمر تماماً مع واقع الحركة الإسلامية السودانية وطموحاتها. 3- تصعيد المواجهة بين الإسلام السياسي وأميركا في كثير من بلدان العالم، ما جعل الحركات الإسلامية في دائرة المراقبة اليومية، تنظيمياً ومالياً وسياسياً. وجعل السودان عراب الحركة الإسلامية العالمية، ومقر المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، آنذاك، في دائرة المواجهة المباشرة مع اميركا. هذه العوامل وغيرها خلقت الذرائع والمبررات لتدويل القضية السودانية. وأعطت مشروع السلام في السودان، ووقف الحرب، بعداً وأولوية اميركية وعالمية. ومهدت الطريق لكثير من القوى الإقليمية والدولية المتربصة لكي تكون طرفاً مباشراً او غير مباشر في الشأن السوداني. وعندما بلغ هذا التطور قمته في بداية النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي استشعر كثير من القيادات السياسية، وحكماء السودان، خطورة التدويل، وأشفقوا على مستقبل السودان من الصوملة واللبننة، كما كان خطابهم آنذاك. وبدأوا السعي في اتجاه الوفاق الوطني. وظهرت اصوات الحمائم حتى داخل النظام الحاكم تنادي بالوفاق الوطني. وكان يمكن ان يقطع مثل هذا الوفاق الطريق على كثير من اصحاب الأطماع الأجنبية، وأن يسحب البساط من تحت اقدامهم بإنجاز مشروع سلام الاتفاق المستدام "السوداني السوداني". وكان يمكن ذلك لولا التشبث بالسلطة، يقابله ضيق المنظور. وعلى رغم سعي القيادات السودانية كثيراً لأجل ذلك، ودور الشقيقة الكبرى مصر المحوري، وموقفها المبدئي، وعلى رغم مجهودات ليبيا، وباقي الدول العربية الشقيقة، ودعوة الشيخ زايد بن سلطان المبكرة لعقد مؤتمر جامع لأهل السودان للصلح بينهم - حال كثير من العوامل دون تحقيق ذلك الهدف. واتجهت بعدها الأنظار الى الجامعة العربية. وكان يمكن ان تتوج مهمة مبعوثها الخاص للسودان بالوصول الى مؤتمر جامع لأهل السودان، اشبه بمؤتمر الطائف في القضية اللبنانية، ومؤتمر شرم الشيخ للفصائل الفلسطينية. وبما ان الطبيعة لا تعرف الفراغ، وبما اننا كسودانيين عجزنا ان نحقق سلام الاتفاق، فقد كتب علينا قبول "اتفاق السلام" كوجبة اجبارية عاجلة، "تيك اواي"، على الطريقة الأميركية. واتفاق نيفاشا، لو حاولنا تناوله من اخف الجوانب والأضرار، لوجدناه اكبر الخسائر في تاريخ السودان والشعب السوداني، من حلفا الى جوبا. والطريقة الأميركية للسلام في السودان، لو نظرنا إليها من خلال التجارب الماثلة في الصومال وفلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، لوجدناها تتعمد اسقاط كل حسابات الشعوب والأوطان. نعم! ان ايجابيات هذا الاتفاق هي وقف الحرب الأهلية التي راح ضحيتها مليون ونصف مليون مواطن سوداني. ونعم! بأنه يحقق السلام.ونعم! ان السلام وحقوق الإنسان والديموقراطية الآن توجه عالمي وإنساني لاستقرار كوكبنا. ونعم! ان رفض ذلك من المحرمات الدولية... ولكن، في المقابل، فإن اتفاق "الحركة الشعبية" والحكومة الأخير هو مشروع دولتين تحت التأسيس. وهو تجاوز اتفاق اسمرا 1995، وتجاوز اطار مشاكوس الإيغادي، وأصبح اجندة اميركية خاصة بالشأن السوداني، تنسب، زوراً وبهتاناً، تنسب الى "الإيغاد". والملاحظ ان الرعاية الأميركية لهذا الاتفاق رهن بتغطية الفشل الأميركي العام في العراق وأفغانستان و"خريطة الطريق" وغيرها. ويراد له ان يكون النقطة المضيئة في السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة. لقد اصبح من الواضح ان الإدارة الأميركية تريد ان تحمل "الحركة" والحكومة، ثنائياً مسؤولية المشروع الأميركي في السودان. علماً بأنها مسؤولية اكبر من حجم الطرفين، لأن الحركة لا تمثل إلا شريحة صغيرة جداً في الجنوب، وكذلك الحكومة في الشمال، على المستوى السياسي. وبات من المؤكد ان الشعب السوداني، بكل تنظيماته السياسية وخلفياته الجهوية، سيقاوم حكمهما الثنائي منفردين، اذا حاولت اميركا فرض، ذلك كما هي الحال في افغانستانوالعراق. إن الخطورة تكمن في ان الطرفين يقرران في امهات القضايا السيادية السودانية، وأكثرها تعقيداً وحساسية. والدهشة تكمن في ان تفوض الحكومة و"الحركة" نفسيهما، نيابة عن الشعب السوداني، وتقررا باسمه، وتوقعا اخطر القرارات نيابة عنه. وكأن السودان اصبح مملكة خاصة للطرفين. وحتى الآن، لا يعرف الشعب السوداني تفاصيل تلك الاتفاقات. وهو صاحب الحق الشرعي. ومن الطبيعي، والمسلم به في كل تجارب الشعوب، ان يعرض اي اتفاق سيادي لأي بلد على مواطني ذلك البلد، في استفتاء عام للموافقة عليه، وتضمينه في دستور دايم يكون وثيقة التعاقد بينهم، قبل الاعتماد على القدرة الأميركية في التنفيذ على ارض الواقع. ان ما اتفق عليه في نيفاشا، وما اعلن منه حتى الآن، هو في حقيقته اكبر بكثير من قوة الطرفين على تنفيذه، او فرضه على الشعب السوداني. وهو بلا شك عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. بكري نعيم سياسي سوداني