تحولت أرصفة الطرقات والأزقة الضيقة في المدن الجزائرية، وفي العاصمة الجزائر على وجه التحديد، إلى أسواق شعبية فوضوية يؤمها يومياً آلاف الشباب الهاربين من جحيم البطالة. وأصبحت التجارة غير الشرعية التي يسميها الجزائريون "البزنسة"، قبلة هؤلاء الشباب الذين يضطرون للهروب والتخفي كلّما أبصروا رجال الأمن يطاردونهم. وكثيراً ما ينتهي الأمر بهم في الزنزانات، بينما يختار بعضهم الانتحار بعد أن ينال منه اليأس. إذا ما نزلت ضيفاً على العاصمة الجزائر، وكنت على عجلة من أمرك، فالأفضل ان تقضي أمورك باكراً، وإلا فلا تحاول الدخول إلى الأحياء الشعبية والأزقة الضيقة، لأنك ستضيع نهارك محاولاً اختراق قوافل الرجال والنساء والأطفال. وفي شارع "العربي بن مهيدي"، كما في شارع "بوزرينة" في وسط العاصمة، لا حدود فاصلة بين الطرقات والأرصفة. وقد يستغرق عبور الشارع الذي لا يتعدى طوله عشرات الأمتار ساعة كاملة بسبب الازدحام الذي يسببه "البزنسية". ويكفي أن تستمع بضع دقائق لهؤلاء الشباب لتفهم سرّ إقبالهم على هذه المهنة رغم ما تحمله من مخاطر. وفي الثمانينات من القرن الماضي، اشتهر هؤلاء الشباب العاطلون من العمل ب "الحيطيست"، من شدة التصاقهم بحيطان وجدران المنازل والعمارات والمحلات، طيلة ساعات اليوم، بعد أن عجزوا عن الظفر بفرصة عمل، أو لتقاعسهم عن البحث عنه. وتسبب انتهاج الحكومة الجزائرية منذ العام 1990 لسياسة إعادة الهيكلة الاقتصادية والتحضير للدخول في مرحلة اقتصاد السوق في انفجار أزمة البطالة. فتم تسريح ما يقارب 600 ألف عامل من المؤسسات الحكومية خلال الفترة الممتدة من 1990 و1998. واضطر هؤلاء العاطلون الجدد للتخلي عن ذهنية الكسل والاتكال على الدولة، فانطلقوا يبحثون عن طريقة لمساعدة عائلاتهم. ويؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي الجزائري كناس الذي اعتاد أن يقلق الحكومة بتقاريره، أن تراجع البطالة في السنوات الأخيرة يعود في شكل أساس إلى الاقتصاد غير الرسمي، أو ما يعرف بالسوق السوداء. ويشير آخر تقرير ل"كناس" إلى أن نسبة 50 في المئة من الاقتصاد الجزائري تتحكم فيه السوق الموازية التي ساهمت بنسبة 17 في المئة في تشغيل العاطلين السنة الماضية. ونظراً لصعوبة الحصول على الوظائف في القطاع الرسمي، ومحدودية دخل عقود ما قبل التشغيل، لم يبق أمام الشباب العاطلين من العمل سوى الفرار إلى السوق السوداء التي تسمح لهم بحفظ كرامتهم وكسب قوتهم من دون دفع الرسوم الجمركية ومختلف أنواع الضرائب التي يدفعها أصحاب المحلات التجارية. ويجد هؤلاء أنفسهم في منافسة تجار غير شرعيين يصطفون فوق الأرصفة المحاذية لمحلاتهم كل صباح، من دون أن يدفعوا رسوماً على مساحة الرصيف التي يعرضون فوقها سلعهم، ويتسببون بالمقابل في غلق واجهات محلاتهم. واستجابة لشكاوى التجار، يجد رجال الشرطة أنفسهم، يومياً في لعبة كرّ وفر مع "البزنسية" الذين يطاردونهم على أرصفة الطرقات. منظر مسلّ ومؤثر في آن واحد، يذكر بمسلسل رسوم المتحركة الشهير "توم وجيري". ويستعين "البزنسية" الذين يعيشون حالة قلق دائم بحيل ماكرة لينبهوا بعضهم البعض بإشارات سرية، كلما اقترب أصحاب الزي الأزرق الشرطة بسياراتهم. يفرّ الشباب حاملين بضاعتهم في رمشة عين إلى الأزقة الضيقة، أو يختفون لبضع دقائق في مدخل العمارات ريثما يعود رجال الشرطة أدراجهم، لتعود حركة الشراء والبيع مجدداً. عمر تاقجوت 18 عاماً، ببذلته القديمة، وأنامله الرقيقة التي تكاد تنفجر من شدة البرد، يقف في شارع العربي بن مهيدي وسط العاصمة يرتب بعض الأقمصة والسراويل التي اشتراها من بائع جملة. وضعها على جانب الرصيف فوق قطعة بلاستيكية سوداء، ليعيد بيع ما اشتراه مجدداً للزبائن، مقابل هامش ربح ضئيل جداً. على الجانب الآخر خبّأ قطعة بلاستكية مماثلة، ليغطي بها سلعته خشية أن تتهاطل الأمطار فتفسد مصدر قوته. ويقول عمر: "انقطعت عن الدراسة لأن والدي سرّح من العمل بعد أن أغلقت الشركة التي كان يعمل فيها، وأنا أقف يومياً هنا لأحصل على دراهم معدودة أعيل بها عائلتي، وأوفّر لأخي الأصغر ما يلزمه من أدوات مدرسية". الكل يريد أن يسرد معاناته مع الفقر والبطالة، لكن دموع حسام 25 عاماً كانت كافية لتجعل زملاءه يلتزمون الصمت ويسمحون له بالتحدث. يقول: "أنا طالب جامعي حاصل على شهادة ليسانس في العلوم الاقتصادية، ومصيري كما تراه، إننا لا نفهم ماذا تريد منا هذه الحكومة، إنني هنا لأنني رفضت أن ألجأ إلى السرقة كما فعل غيري، أريد أن أقتات بالحلال، فلماذا يحرموننا من مصدر قوتنا إن كانت الحكومة عاجزة على أن توفره لنا". وحسام ليس وحده، فتقرير "كناس" أحصى العام الماضي 160 ألف عاطل من حاملي الشهادات الدراسية العليا في الجزائر. كانت المفاجأة كبيرة، حينما تدخل عدد من رجال الأمن ليس ليحجز بضاعة "البزنسية" بل للتدخل في الحديث. وقال احدهم: "لهم الحق في ما يقولون، لكن عليهم أن يتفهموا أيضاً أن رجال الشرطة لهم عائلات، وليسوا كلهم ميسوري الحال". وبنبرة حزن، تابع: "نحن هنا لنؤدي مهمتنا لا غير، بالطبع أشفق على حال هؤلاء الشباب، لكن الحلّ ليس بيدنا، وأصحاب المحلات لهم الحق أيضاً حينما يطالبوننا بالتدخل لمنع البزنسية من الاصطفاف أمام محلاتهم، فهم يتسبّبون في خسائر مالية لمن يدفعون باستمرار الرسوم والضرائب". كلام الشرطي، أثار نقاشاً عميقاً بينه وبين الشباب، والكل يعترف بحق الآخر في أداء مهنته.