تشهد الأسواق الشعبية في الجزائر منذ بداية شهر رمضان الكريم ارتفاعاً محدوداً لأسعار الخضر والمواد الاستهلاكية، مقارنة بالأعوام الأخيرة. وتحولت الأسواق ساحات يتنافس فيها عشرات الشباب لاحتلال أفضل الأماكن لعرض الخضر والفواكه أو بعض المواد الغذائية لتحقيق "ثراء" يدوم أياماً معدودة. وعلى رغم أن الحكومة كانت منعت قبل شهور بيع المأكولات والمواد الغذائية على الأرصفة خوفاً من انتشار الأمراض، إلا أن فرق التفتيش وقمع الغش سرعان ما تخلت عن تشددها أمام إصرار الشباب على القيام بما "يؤمن لقمة عيش لذوينا". ويعد سوق "مارشي أثناش" في حي بلكور الشعبي من بين أقدم الأسواق التي بدأت نشاطها منذ أيام الاحتلال الفرنسي في منتصف القرن الماضي. وعلى رغم أن مساحته محدودة مقارنة مع العدد الكبير للمتسوقين الذين يقصدونه يومياً، إلا أن تردي الأوضاع الاجتماعية دفع بكثير من الشباب الى قصده بهدف القيام بنشاط تجاري يؤمن لهم الرزق. بعض هؤلاء الشباب عاطل عن العمل، جاء الى "مارشي أثناش" من ضواحي العاصمة. آخرون عمال فضلوا أخذ عطلتهم السنوية في هذا الشهر، بهدف القيام بعمل إضافي يؤمن لهم دخلاً ثانياً يُساعد في تحسين وضعهم المادي. يشتركون كلهم في وضع طاولات صغيرة الحجم يبيعون عليها بعض المواد الاستهلاكية في الأزقة المحاذية للسوق. وحتى أصحاب المحلات التي تقع في جوار السوق فضلوا بدورهم وضع مواد غذائية على رصيف محلاتهم، علهم بذلك ينافسون العدد الكبير من التجار الجدد الذي وفد إليهم. جلب بعض الباعة معه من منزله لفافات "الديول" التي تستعمل في إعداد "البوراك"، وهي واحدة من أشهر المأكولات الشعبية خلال شهر رمضان. وعادة يتولى أفراد العائلات الفقيرة بيع هذه المنتجات. وعلى رغم دخول التنكولوجيا الحديثة ميدان صناعة لفافات "الديول"، إلا أن الكثير من المتسوقين يفضلون اللفافات التي تُصنع في البيوت ربما لكونها أصلية وربما أيضاً لأنها تحمل معنى التضامن مع العائلات التي تُصنّعها. أسعار الخضر هذه السنة لم ترتفع كثيراً في رمضان مقارنة بالعام الماضي "ربما لأن التجار شعروا بعد سنوات من الجشع أن الشعب ليس في إمكانه اقتناء الخضر بمثل هذه الأسعار"، يعلق رب عائلة قال انه يجد صعوبة في توفير لقمة العيش لأبنائه. فسعر الكيلوغرام الواحد من الكوسى القرعة الذي وصل سعره العام الماضي إلى 140 ديناراً ما يعادل 3،1 دولار أميركي متوافر هذا العام ب50 ديناراً. وكذلك بالنسبة الى الطماطم التي وصل سعرها العام الماضي الى مئة دينار بينما تُباع هذه السنة ب50 ديناراً. وضمن برنامج واسع للتضامن مع العائلات الفقيرة، رصدت الحكومة قبل أيام موازنة تقدر بنحو 500 مليون دينار جزائري أي ما يعادل 25،6 مليون دولار تشمل تقديم مساعدات لنحو 14 مليون معوز بمعدل 30 ديناراً لكل فقير خلال رمضان. وترى السيدة فتيحة التي ترتاد مثل هذه الأسواق الشعبية باستمرار، أنه "بحلول شهر رمضان لا بد للفرد الصائم طول النهار أن يجد أمامه مائدة إفطار كاملة. و لهذا، يقتصد رب الأسرة طوال العام ليستطيع الإنفاق بسعة في رمضان. والذي لا تسمح له ظروفه بالتوفير يقترض ليكمل الشهر الكريم. أما بالنسبة الى الأسعار، صحيح أنها ارتفعت لكن ليس مثل العام الماضي". وتابعت: "في رمضان الإنسان يشتهي ويريد أن يأكل جيداً لكن الفقراء لن يكون في إمكانهم تحقيق رغباتهم. فإعداد وجبة كاملة يتطلب على الأقل نحو 600 دينار أي ما يعادل 8 دولارات". أما العائلات المتوسطة الحال فهي تمارس "الاحتيال"، كما تقول السيدة فتيحة، "فمنذ أعوام أصبحنا نمارس الاحتيال في تقديم وجبات الإفطار قصد توفير أكبر قدر من الأموال". وتبدأ "مظاهر الاحتيال" من السوق في انتقاء الخضروات والمواد الغذائية ثم في إعداد الوجبات حيث يتم عادة تحضير وجبة الحساء الشوربة، مثلاً، بكميات كبيرة لمدة يومين كاملين لتجنب الطهي مرتين، وبذلك يتم توفير قسط من المال. والشيء نفسه يتكرر مع الوجبات الأخرى. غير أن الفئات الأكثر تضرراً من تردي الأوضاع الاجتماعية فإنها تُفضل، على ما يبدو، أن تزور الأسواق بعد إغلاقها في حدود الثانية والنصف، أي قبل ثلاث ساعات من الإفطار. إذ يتوجه الفقراء إلى المزابل والقمامات التي تُرمى فيها بعض الخضر والفواكه والمواد الاستهلاكية الفاسدة أو التي فيها عيوب. وعادة ما تحصل الحركة في هذه الأزقة بعد قليل من إغلاق الأسواق، وهو ما يرفع عن هذه العائلات الحرج في البحث وسط القمامات عن ما يسد رمق أبنائها. ويذكر المدير المركزي للحركة الجمعوية في وزارة التشغيل والتضامن الوطني السيد عبدالحق بوشناق أن عدد العائلات المحتاجة في الجزائر التي لا تستطيع بالمرة توفير لقمة العيش لأبنائها طوال السنة بلغ حسب إحصاءات حديثة مليوناً و300 الف جزائري من مجموع 14 مليوناً يُدرجون ضمن خانة الفقراء.