في خضم التحول الصحي الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، لم يعد الحديث عن المستشفيات والتجهيزات الطبية كافيًا لفهم الصورة الكاملة. فالقصة الأهم اليوم تُكتب بأيدي الكوادر الصحية—الأطباء، وأطباء الأسنان، والممرضين، وبقية التخصصات الصحية—الذين يُفترض أن يكونوا العمود الفقري لنظام صحي حديث، كفء، ومستدام. لكن مع تسارع وتيرة هذا التحول، برزت تحديات حقيقية، بعضها متوقع، وبعضها الآخر كان نتيجة مباشرة لتغيرات هيكلية عميقة في طريقة إدارة القطاع الصحي، وعلى رأسها انتقال دور التوظيف بشكل متزايد إلى شركة الصحة القابضة، وتراجع الدور التقليدي لوزارة الصحة في هذا الجانب. تحول في المسؤوليات... وفجوة في النتائج مع بدء عمل شركة الصحة القابضة والتجمعات الصحية، أصبح التوظيف أكثر ارتباطًا بالنموذج التشغيلي الجديد، القائم على الكفاءة والاستدامة المالية. هذا التحول بحد ذاته خطوة مهمة نحو نظام صحي أكثر مرونة، لكنه تزامن مع مرحلة انتقالية لم تُحسم فيها بعض الملفات، وأهمها ملف استيعاب الخريجين. في هذه المرحلة، ظهرت مشكلتان واضحتان: الأولى: تزايد أعداد الخريجين غير الموظفين، خصوصًا في بعض التخصصات التي شهدت توسعًا كبيرًا في القبول خلال السنوات الماضية. هؤلاء الخريجون وجدوا أنفسهم بين نظامين: نظام قديم لم يعد قائمًا بالكامل، ونظام جديد لم يكتمل بعد. والثانية: غياب جهة واضحة تتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا التحدي. فبينما ترى وزارة الصحة أن دورها في التوظيف قد تقلص، وتعمل شركة الصحة القابضة وفق اعتبارات تشغيلية بحتة، يبقى الخريج في المنتصف، دون مسار واضح. المشكلة ليست مسؤولية جهة واحدة... لكنها مسؤولية نظام كامل من غير المنصف تحميل جهة واحدة مسؤولية هذه الفجوة. فالمشكلة في جوهرها "نظامية"، نتجت عن تسارع التغيير دون وجود آلية انتقالية متكاملة تستوعب المخرجات الجديدة. لكن في المقابل، لا يمكن ترك هذا الملف دون قيادة واضحة. وهنا يبرز دور وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية كحلقة مفقودة يجب أن تُفعّل بشكل أكبر. وزارة الموارد البشرية: منظم السوق لا مجرد مراقب في هذه المرحلة، يصبح من الضروري أن تتبنى وزارة الموارد البشرية دورًا أكثر فاعلية في تنظيم سوق العمل الصحي، ليس فقط من خلال السياسات العامة، بل عبر تدخل مباشر يضمن التوازن بين العرض والطلب. أحد أهم الإجراءات التي يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا هو إعادة ضبط سياسات التوظيف في القطاع الصحي الخاص، بما في ذلك الشركات الكبرى والتجمعات الصحية، بحيث يتم إعطاء الأولوية الفعلية للكوادر السعودية. ليس كشعار، بل كالتزام تنظيمي واضح. كما أن توحيد قنوات التوظيف، أو على الأقل الإشراف المركزي عليها، يمكن أن يسهم في تحسين الشفافية، وتقليل التباين في الفرص، وضمان وصول الخريجين إلى فرص العمل المتاحة. إلى جانب ذلك، يبقى تحفيز القطاع الخاص عنصرًا أساسيًا. فالتوظيف لا يُفرض فقط، بل يُشجّع أيضًا من خلال حوافز مالية، ودعم للتدريب، وبرامج مشاركة في الأجور، بما يجعل توظيف الخريجين السعوديين خيارًا جذابًا وليس عبئًا. الهيئة السعودية للتخصصات الصحية: عنق الزجاجة الذي يمكن أن يتحول إلى بوابة إذا كانت وزارة الموارد البشرية تمثل جانب "الطلب" في سوق العمل، فإن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تمثل بوابة "التأهيل". وهنا تظهر المشكلة الثانية، وربما الأهم. عدد كبير من الخريجين لا يستطيعون دخول سوق العمل دون الحصول على تدريب سريري معتمد، لكن المقاعد التدريبية محدودة، والاشتراطات الحالية—مثل الحاجة إلى جهة راعية—تجعل بعض الخريجين عالقين في حلقة مغلقة: لا وظيفة بدون تدريب، ولا تدريب بدون وظيفة. في هذه النقطة تحديدًا، يمكن للهيئة أن تلعب دورًا محوريًا عبر إعادة النظر في نموذج التدريب، والسماح باستيعاب الخريجين دون اشتراط وجود جهة راعية في المرحلة الأولى، مع إيجاد نماذج تمويل أو شراكات تضمن استدامة هذا التوجه. هذا التغيير لن يحل المشكلة بالكامل، لكنه سيفتح الباب أمام الخريجين لاكتساب المهارات المطلوبة، ويجعلهم أكثر جاهزية عند توفر الفرص الوظيفية. بين الوفرة وسوء التوزيع لا يمكن إغفال أن المشكلة ليست فقط في عدد الخريجين، بل في توزيعهم. فبينما تشهد بعض التخصصات تشبعًا واضحًا، تعاني تخصصات أخرى من نقص حاد. كما أن التكدس في المدن الكبرى يقابله عجز في المناطق الطرفية. وهنا، تتقاطع الأدوار بين الجهات المختلفة: من سياسات القبول في الجامعات، إلى توزيع المقاعد التدريبية، إلى الحوافز الوظيفية. وكلها تحتاج إلى تنسيق أعلى مبني على بيانات دقيقة ومحدثة. التحول الحقيقي: من التوظيف إلى التمكين في نهاية المطاف، لا يكفي أن نوفر وظيفة لكل خريج، بل يجب أن نضمن أن يكون هذا الخريج قادرًا على تقديم قيمة حقيقية داخل النظام الصحي. التمكين يعني تدريبًا عالي الجودة، وبيئة عمل محفزة، ومسارات مهنية واضحة، وفرصًا للتطور والابتكار. كما يعني أيضًا إشراك الكوادر الوطنية في قيادة التغيير، لا أن تكون مجرد منفذة له. رسالة المرحلة ما يحدث اليوم في سوق العمل الصحي ليس أزمة بقدر ما هو "ألم نمو" طبيعي في مرحلة تحول كبيرة. لكن الفرق بين التحول الناجح والتحول المتعثر يكمن في سرعة الاستجابة لهذه التحديات. الخريجون ليسوا أرقامًا في تقارير، بل طاقات وطنية استثمرت فيها الدولة سنوات من التعليم والدعم. تركهم دون مسار واضح لا ينعكس فقط على مستقبلهم، بل على كفاءة النظام الصحي ككل. خلاصة إنسانية في كل خريج ينتظر فرصة، هناك قصة جهد وأمل. وفي كل نظام صحي ناجح، هناك قرار شجاع يعيد ترتيب الأولويات. اليوم، نحن بحاجة إلى هذا القرار—قرار يعترف بأن المسؤولية مشتركة، وأن الحل يتطلب تكاملًا بين وزارة الصحة، وشركة الصحة القابضة، ووزارة الموارد البشرية، والهيئة السعودية للتخصصات الصحية. فالقضية لم تعد فقط "كم عدد الخريجين؟"، بل أصبحت: "كيف نمنحهم الطريق ليكونوا جزءًا من الحل؟"