من مخبأ ما في مكان ما يتسقّط اخبار العالم وهو يطفئ الشمعة الثانية لذكرى "الغزوتين المباركتين". يتعذّر التكهّن تماماً بما سيجول في أوردة رأسه اليوم. يصعب الاعتقاد انه سيعيد الحسابات. ذهب بعيداً بعيداً. ولغ في الحرب الى استحالة التراجع. مطلوب حيّاً او ميتاً. بعد ذلك اليوم لن يكون لذلك الرجل مقر إقامة دائمة او طويلة. سيبقى رجلاً طريداً بلا عنوان. سيرسل الأشرطة الى الفضائيات ليقول انه لا يزال حيّاً. وسيرتكب دوياً هنا ودوياً هناك ليؤكد ان حربه مفتوحة. لم يفعل أحد بالعالم ما فعله ذلك الرجل في ذلك اليوم. لا شيء بعد 11 ايلول سبتمبر 2001 يشبه ما قبله. كأن سكيناً عملاقة انقضت على شرايين العالم الذي كان قائماً. تغيّرت أميركا. تغيّرت لغتها ولهجتها. وتغيّرت علاقتها بالعالم. كأنه حقن جسد العالم بإبرة عملاقة من القلق والاضطراب. تبدلت الاولويات. انطلقت "الحرب العالمية الثالثة". استيقظ الصقور وأطلقت الامة الجريح "الحرب على الارهاب". حرب لا يمكن حصر مسارحها. لا يمكن حسمها بالضربة القاضية. توسيعها يضاعف الاضطراب ويضاعف الاحتكاكات مع دول ومجتمعات وثقافات. غذت ضربات "القاعدة" صقور واشنطن. ضربات الصقور تهدد بإنعاش "القاعدة". لم تنته الحرب ليمكن إعداد لوائح نهائية بضحاياها ولا بخسائرها. تكفي قنبلة في مطار للقول ان العالم لا يزال مهدداً. يكفي تسرّب مطلوب الى بلد او قارة لاعلان حال الاستنفار. لم ينجح في اشعال خط التماس بين المسلمين والغرب. لكنه زرع الشكوك والقلق وسوء التفاهم والمرارات. لم ينجح في استدراج الولاياتالمتحدة الى الفخ الأفغاني لاستنزافها هناك. لكن الفوضى العراقية وفّرت لأنصاره خط تماس يعد بمزيد من الالتهاب فوق حقول النفط واليأس والفشل الاقتصادي وعلى مقربة من مذابح شارون. نسي العالم تلك المواعيد التي توهم انه لن ينساها. ازمة الصواريخ الكوبية بين العملاقين. نهاية حرب فيتنام. الانسحاب السوفياتي من افغانستان. سقوط جدار برلين. خيانة روسيا لرفاقها في السجن السوفياتي. ارتجّت ذاكرة العالم فسقطت المواعيد القديمة ليحتل 11 ايلول موقع الصدارة. نسي العالم اولئك الرجال الذين أقلقوه ودفعوه الى حبس أنفاسه. وديع حداد الذي خطف الطائرات مطالباً بالإفراج عن فلسطين. وكارلوس الذي فقد بعد غياب حداد البوصلة الى حد الاستجارة بالترابي والبشير فأجاروه وسلّموه. وأبو نضال الذي "انتحروه" في بغداد قبل ان يستكمل النظام العراقي انتحاره. هزّ هؤلاء العالم لكن صمّامات الامان كانت حاضرة بين البيت الابيض والكرملين. أسامة بن لادن شيء آخر. مدرسة اخرى ولغة اخرى. حرب اوسع وأخطر ومجازفة قاتلة. مشروع حريق كبير على امتداد العالم. مشروع ارتطام هائل على خطوط التماس. يستطيع العالم بعد اسابيع او شهور ان ينسى رجلاً اسمه صدام حسين كان مكلفاً حين حكم وباهظاً حين سقط. لكن العالم لا يستطيع ان ينسى الرصاصة الأولى في الحرب العالمية الجديدة. الرصاصة التي أطلقها ذلك الرجل في ذلك اليوم.