يلوح المشرق أدناه وأوسطه متحف العالم ومختبره في آن، يراكم ما تقادم وأقام من المشاكل والخطوب، وما استُحدِث منها. ما أورثته إياه الحقب الغاربة وما استجد مع آخر الأطوار. هناك كيمياء خاصة للكارثة، ولاستيلادها، ربما انفردت بها هذه المنطقة عن سائر أصقاع الأرض وأقاليمها. ولعل بعض أجلى الأدلة على ذلك هو ذاك التداخل، الطارئ بعد الحرب الأميركية الأخيرة، بين اللحظتين العراقيةوالفلسطينية، والذي جعل المنطقة تجمع، بين ظهرانيها وفي صلبها، بين آخر احتلال وبين أول احتلال. بين آخر احتلال، ذلك الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والذي كان يعدّ حالة احتلالية واستطانية نشازا، تخلفت عن تيار تحرري واستقلالي كان قد شمل العالم بأسره في أعقاب الحرب العالمية الثانية، منذ تخلت بريطانيا عن مستعمراتها بدءا من الأربعينات، حتى انكفاء كل من إسبانيا والبرتغال أقدم امبراطوريتين استعماريتين عن آخر المناطق التي كانت خاضعة لهما باستثناء سبتة ومليلة المغربيتين في سبعينات القرن الماضي. بل ان أفول الحرب الباردة أنهى حالات استيطانية وتمييزية كانت تبدو عصية، إذ وأدت نظام الأبرتايد في جنوب إفريقيا. وبين أول احتلال جاءت به حقبة سيطرة القطب الوحيد على مقدرات العالم، هو ذلك الذي فرضته الولاياتالمتحدة على العراق، والذي يبدو أننا قد أخفقنا حتى الآن في تقدير طبيعته "الثورية"، أي بوصفه فعل التأسيس لنصاب دولي جديد، فقصّرنا في مواكبة ذلك التحول التاريخي، أو أننا اقتصرنا في مقاربته على ذلك "الوعي" الذي صغناه وعملنا به خلال العقود الماضية، دون أن يستوقفنا يوما لمساءلته، إن في ما يتعلق بضحالته أو في ما يخص ضآلة جدواه. بديهي أن التزامن بين الاحتلالين المذكورين ليس ناتجا عن محض مصادفة تاريخية. وأنهما يعودان إلى جذع مشترك، وإلى عاهات جوهرية في بنية المنطقة بطبيعة الحال مع كل الإدانة الواجبة لجرائم ومؤامرات الاستعمار والصهيونية والامبريالية وما إليها، لعل أبرزها ما تمثل في ذلك العجز المستحكم عن اجتراح الكيانات وعن تأسيس الوطنيات وعن تحويلها إلى كيانية سياسية، مُمثِّلة وقائمة وناجزة، وملزمة في التعاطي مع الذات ومع العالم الخارجي. الحالة الفلسطينية نموذجية في هذا الصدد. فقد توفر فيها، نظريا، كل مقومات التأسيس الكياني وأمضاها: عدو بالغ الشراسة، نافٍ للآخر، يشكل، بطبيعته تلك، حافزا بالغ القوة لبلورة هوية مضادة، في تعبيراتها الأرقى، أي في تعبيراتها السياسية. مَظلمة استنثائية، يفترض فيها أن تخلق لحمة ووعيا بالمصير اسثنائيين في متانتهما وفي نزوعهما نحو التحقق والتجسيد. وقدرة كبيرة، خارقة أبداها الشعب الفلسطيني على المقاومة والصمود لم تخفت يوما خلال نصف القرن المنصرم، بل منذ أن بدأ الإستيطان اليهودي على أرضه. احتضان عربي كان، في بعض الفترات، عارما شاملا، متعدد الأوجه، من عسكرية ومالية وسياسية ووجدانية. تحالفات دولية بلغت، في بعض أطوارها، درجة من القوة لا يستهان بها. تعاطف من قبل الرأي العالمي كان على أشده... لكن كل ذلك لم يمكّن القضية الفلسطينية من أن تجتاز عتبة الدولة، حتى تلك التي يمكنها أن تقوم على بعض الأرض المحتلة في 1967 وكانت قبل ذلك تحت سيطرة دولتين عربيتين هما الأردن ومصر. صحيح أنه لا يجب التهوين من قوة إسرائيل، ولا من الدعم الذي تلقته بسخاء لا حدود له من أكبر قوة على وجه الأرض، لكن ذلك، بمفرده، لا ينفي أن هناك إخفاقا عربيا في المقام الأول، عنوانه عدم استدخال فكرة الدولة، كوسيلة استراتيجية وامتيازية للوجود في العالم، لا تنفي الاستمرار في المطالبة بإحقاق الحق والذود دونه. حتى أن فكرة الدولة تلك، لم تقبلها القيادة الفلسطينية بل بعضها لا كلها إلا على نحو اضطراري، وعندما بدا أن التحرير متعذر أو صعب المنال. وإذا كانت الحالة الفلسطينية قد عبرت عن صعوبة إدراك الدولة، وذلك إلى حد كبير لتلك الأسباب الذاتية التي سبقت الإشارة إليها، فإن صنوتها العراقية قد قدمت النموذج على صعوبة الاحتفاظ بها وصونها، بل على النكوص إلى ما دونها، نظرا إلى مدى غربة الدولة وفكرتها عن وعينا. التجربة الصدامية، على ما اتسمت به من شطط ومن غلو، نموذجية في هذا الصدد. فالدولة، في عهد الديكتاتور العراقي السابق، ابتُسرت في وظيفتها القسرية حصرا، دون سائر وظائفها الأخرى، أي كانت فقط سلطة، تتصرف في ثروات البلاد أو تعلن الحرب على الجوار أو تقمع وتبطش في الداخل. بقية وظائف الدولة، من تجسيد للكيان الوطني ومن مهام تنظيم الحياة العامة، تعليما وتطبيبا وإعدادا للمستقبل وما إليها، تلاشت أو باتت ملحقة بوظيفتها القسرية تلك، أي بوظيفتها كسلطة محض. تجربة صدام حسين قدمت المثال الناجز، إلى درجة الكاريكاتور ربما، عن تعذر الدولة في بلداننا، حتى أنها عندما انهارت في بعدها القسري، كما حدث خلال العدوان الأميركي الأخير، انهارت في كافة أبعادها الأخرى. والحال أنه إذا كان التشخيص هذا إن صح قد وجد في "الدولة" الصداميّة، نموذجه الأوضح والأجلى، فإنه ربما تبدى بطرق مختلفة، وبدرجات متباينة، في العديد من كيانات المنطقة، تلك التي كفت عن أن تكون ولايات عثمانية، دون أن تنجح في بلوغ مرتبة الدولة، وحتى وإن اكتسبت ظاهريا كل مقوماتها. ولعل ذلك أحد علل ما يطلق عليه "الفشل العربي"، فإذا ما كانت الكيانات العربية قد أخفقت في دعم سيادتها وفي التقدم وفي التنمية، وإذا كان فشلها ذاك قد طال كل شيء، من التعليم إلى الصحة إلى كل مناحي الحياة، فذلك لأنها لم تعرف الدولة، بمعناها الحديث، بوصفها ذلك "العقل الجماعي"، خادم المجموعة تدبيرا واستشرافا، أو لأن الدولة تلك لم تكن لدينا، عدا عن بعض الاستثناءات النادرة، والتي ربما كان النظام الذي أسسه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة أحد أبرز من يمثلها، غير محض سلطة، بالمعنى التي سبقت الإشارة إليه. فهل يكون آخر احتلال ذلك الإسرائيلي الموروث عن حقبة التحرر الوطني وأول الاحتلال في حقبة ما بعد الحرب الباردة ذلك الأميركي للعراق، هو المآل الذي ينتظر المنطقة، بعد أن أخفقت في استدخال فكرة الدولة؟ وهل يكون مصيرنا بين مقاومة، كتلك الجارية في فلسطين وفي العراق، لها شرف التصدي ولكنها تبدو مسدودة الآفاق، لأنها لا زالت بعيدة عن وعي الدولة، وبين تفاوض، كذلك الذي تقوم به السلطة الوطنية الفلسطينية وقد يلجأ إليه مجلس الحكم الانتقالي العراقي، ينطلق ضعيفا، وقد لا يحقق الاستقلالا، لنفس تلك العاهة المذكورة؟ بعبارة أخرى، هل نكون، في مستقبل الأيام، مخيرين بين مكابدة الاحتلال، أو العيش في كنف "سلطات وطنية" شأن تلك الفلسطينية، أو شأن مجلس الحكم العراقي، تبقى دون الدولة بأشواط؟ سؤال صعب، وما يزيد من صعوبته أن الوعي الشائع بيننا ليس مؤهلا للإجابة عليه...