سأسمح لنفسي بداية ان اتجاوز خطاب التمني الصدامي لأصحاب فكرة اعلان الدولة مع الاحتفاظ بحق العودة اليه لاحقاً وفي سياق احتمالاته الحقيقية فقط. قلنا ان اعلان الدولة في حالة السلطة الفلسطينية يختلف عن اعلان الدولة في الجزائر، لأنه مرتبط بممارسة حقيقية للسلطة على المجتمع الفلسطيني وعلى جزء ولو صغير من الأرض الفلسطينية. وهذا الجانب قائم حالياً ولا ينقصه الاعلان معنوياً، أي من جانب اعلان النوايا. لقد سبق ان أعلنت م.ت.ف دولة فلسطينية عاصمتها القدس في الجزائر 1988، وهنا يجوز ان يسأل السؤال: كم مرة تعلن حركة تحرر وطني الدولة في تاريخها؟ وقد يدعي البعض ان ما يبرر الاعلان مرة ثانية هو ذلك الفرق الذي ذكرناه أي وجود سلطة. ولكن السلطة تقوم فقط على أجزاء من الأرض التي تم اعلانها دولة فلسطينية في الجزائر. فهل يعني هذا ان الدولة ستقوم فقط على هذه الأرض؟ سيكون الجواب طبعاً بالنفي. أي ان الدولة ستعلن على كامل أرض الضفة الغربية وقطاع غزة بما في ذلك العاصمة شرقي القدس. وهذا اعلان معنوي - يتطابق مع اعلان الجزائر، ما هو الفرق إذاً؟ الفرق سياسي والخطوة سياسية، ويجب تحليلها سياسياً. إعلان م.ت.ف هو اعلان نوايا حركة تحرير وطني في أوج انتفاضة موجهة ضد اسرائيل. واعلان السلطة الحالي هو اعلان سلطة قائمة بموجب اتفاقات دولية - ولا بد للمجتمع الدولي ان يتخذ موقفاً من هذا الإعلان الذي لن يعني شيئاً إذا لم تتبعه خطوات ديبلوماسية برفع مستوى التمثيل والتعامل مع السلطة كأنها دولة بما في ذلك من قبل دول الجوار، خصوصاً في قضايا مثل ترسيم الحدود بين هذه الدولة الفلسطينية وبين الأردن من ناحية ومصر من ناحية أخرى، بوجود جيش اسرائيلي مرابط على هذه الحدود. هنا ولجنا الى النقاش الحقيقي. واعلان الدولة الفلسطينية في حالة وجود السلطة ليس مجرد إعلان معنوي بل ستترتب عليه تداعيات تغير المعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني وقياداته المعترف بها. ومن الممكن قراءة التاريخ الفلسطيني كله من منظور اعادة تحديد المعركة الرئيسية التي يخوضها هذا الشعب في كل مرة بحيث تتحول القضايا الأخرى الى قضايا جانبية، وحتى لو استمر الحديث عن هذه القضايا كنوع من الثوابت إلا أنها لا تلعب دوراً أساسياً في تحديد المهمات، وقد لا يؤمن البعض بامكانية تحقيقها فعلاً رغم الإكثار منها وترديدها وتكرارها. عندما كانت المعركة معركة تحرير وعودة لم تلعب قضية الضفة الغربية وقطاع غزة دوراً اساسياً في تحديد المهام، وعندما أصبحت المعركة معركة الكيان القومي انصبت الجهود الأساسية على تثبيت الكيان م.ت.ف والاعتراف به دولياً، وعندما تم تركيز الجهود على خيار الدولة ضمن حل الدولتين لم تعد قضية اللاجئين تلعب دوراً حاسماً. ورغم تكرار شعار العودة الى جانب تقرير المصير، فإن الكثير ممن يرددون هذا الشعار لا يؤمنون به لأن العودة ضمن اطار الدولة اليهودية الذي يتضمنه حل الدولتين أمر غير ممكن - فمن غير المعقول ان نقول دولة فلسطينية ودولة يهودية وعودة اللاجئين بنفس واحد - ولكن هذه الحقيقة لم تشكل حتى الآن مصدراً لإزعاج من يردد هذه الشعارات. في حالة إعلان الدولة الفلسطينية من قبل السلطة ستصبح قضية الاعتراف بهذه الدولة هي القضية الأساسية. وبالامكان الاستمرار بتكرار مقولات مثل إزالة المستوطنات، تحرير الأرض المحتلة عام 67 بكاملها، تحرير القدس - ولكن المعركة الاساسية ستدور حول الاعتراف بهذه الدولة. وإذا لم تكن هناك معركة حقيقية أو صدام حقيقي فستحرص اسرائيل على تحويله الى صدام يستنفر كل الطاقات الفلسطينية في قضية الاعتراف بالدولة والحفاظ على كيانها، وذلك باتخاذ بعض الاجراءات التي تجعل الاتصال بين أجزاء الدولة أمراً متعذراً تقريباً أو باعتبار هذه الخطوة خرقاً للعملية السلمية التفاوضية وبالتالي وقف المفاوضات والتنصل من كافة الالتزامات. في مثل هذه الحالة سيبدو الاعتراف الاسرائيلي هدفاً بحد ذاته لأنه كفيل بإزالة الاجراءات الاسرائيلية وبإيقاف الخطوات العقابية وربما بتوفير ممر آمن بين اجزاء هذه الدولة وغير ذلك من الانجازات الفلسطينية مقارنة بالوضع الحالي. المجتمع الدولي يتلقف هذه الفرصة لتحديد هدف يمكن انجازه الدولة الفلسطينية، وكذلك ستنضم المعارضة الاسرائيلية الى هذه الجهود، فأخيراً هنالك هدف "واقعي" بالامكان تحقيقه وبالامكان ايضاً فرضه على الحكومة الاسرائيلية تجنباً لاشتعال نزاع دموي. ولا بد هنا من التوقف برهة للتساؤل: لماذا تتحمس المعارضة الاسرائيلية حالياً لمثل هذا الاعلان، ولماذا يصل بها الحماس درجة محاولة اقناع الفلسطينيين بوجوب القيام بهذه الخطوة؟ السبب بسيط، لأن هذا المطلب العيني، مطلب إقامة دولة فلسطينية، يحررها من قضايا مثل القدس والاستيطان واللاجئين التي أجلت للبحث في مفاوضات الحل الدائم - وما دامت "الدولة الفلسطينية" قد سخفت كل القضايا الأخرى بما في ذلك في تصريحات هيلاري كلينتون فيبدو تحقيقها، مهما كانت مساحتها، كافياً من أجل التفاهم مع القيادة الفلسطينية. وغالبية الشعب الاسرائيلي كما هو معروف من استطلاعات الرأي العام المتكررة تعتبر قيام دولة فلسطينية أمراً حتمياً - لقد بلغ التركيز على شعار الدولة مبلغاً يجعل النقاش على حيثياتها وحدودها وصلاحياتها أموراً تفصيلية. المهم ان تقوم!! وعندما تقوم الدول الغربية بانجاز الاعتراف بالدولة الفلسطينية رغم انها لم تنجز ضمن العملية السلمية التي ترعاها، فسوف توازن ذلك بتجاهل الاستمرار في بناء المستوطنات حول القدس أو حتى بتجاهل قرار اسرائيلي ممكن بضم المناطق الاستيطانية الاسرائيلية المحاذية للخط الأخضر، بما في ذلك غوش عتصيون واضافة بيت - ايل وعوفرا التي يصرح ايهود باراك مرشح المعارضة لرئاسة الحكومة أنها بنيت لتبقى. هناك ثمن للاعتراف بدولة فلسطينية أعلنها الفلسطينيون ليضعوا العالم أمام حقيقة ناجزة، وهنالك ثمن أكبر لاعتراف اسرائيلي بهذه الدولة حتى لو كان الاعتراف عملياً فقط أي من دون سفارات بين اسرائيل وبين الدولة الفلسطينية. وستوافق اسرائيل ايضاً على دفع ثمن العلاقة السلمية مع هذه الدولة وهو منحها أراض لم تكن تسيطر عليها وكانت اسرائيل مستعدة أصلاً لمنحها ضمن الحل الدائم، ولكن تحت سقف بقاء الاستيطان وبقاء "مجاله الحيوي" ضمن السيادة الاسرائيلية وعدم الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران. في مثل هذه الحالة سيعجل إعلان الدولة من التوصل الى حل دائم بالشروط الاسرائيلية، وقد كان هذا مسعى نتانياهو منذ وصوله الى السلطة. إعلان الدولة الفلسطينية ضمن حدود السلطة الفلسطينية الراهنة لن يبدل من موازين القوى القائمة بل سيتم ضمنها، وذلك بالضبط سوف يبدو كإنجاز كبير وكضربة معلم في عين الرأي العالمي والاسرائيلي وسيكون الفلسطينيون حبيسي انجازهم هذا. ولا شك انه بالإمكان تخيل سيناريو صدامي، خصوصاً وان المراهنة على وطنية بعض قيادات الاجهزة الأمنية وأفرادها يجب ان تعتبر أمراً طبيعياً - فمعظم قيادات هذه الاجهزة ومعظم أفرادها ترعرعوا على اعتبار اسرائيل هي العدو وعلى المرابطة في وجهها على الجانب الآخر من المتراس. ولنطلق العنان لمثل هذا السيناريو الذي تتحرك فيه الاجهزة الأمنية الفلسطينية قبل الاعلان بساعات وجيزة للمرابطة في المنطقة "ب" بأكملها وحتى على أجزاء من المنطقة "ج" - هذا إذا لم يكن الأمر متوقعاً مسبقاً من قبل اسرائيل التي قد تجهز قواتها لمثل هذا الاحتمال. ماذا سيحصل في هذه الحالة إما صدام دموي تتبعه لجان تنسيق وتدخل الولاياتالمتحدة ومصر والأردن إلا إذا تخيل البعض ان مصر والأردن ستنضم الى هذا الصدام وتعلن الحرب على اسرائيل - التخيل الأكثر واقعية هو سحب السفراء من اسرائيل وإما ان تترك اسرائيل هذه الاجهزة الأمنية في نوع من "إعادة الانتشار" دون مفاوضات في تلك المناطق الريفية التي تريد اسرائيل في النهاية إعادتها الى الفلسطينيين - وتكون اسرائيل بذلك قد حددت حدود الدولة الفلسطينية - الأمر الذي يعود بنا الى السيناريو الأول. أما الصدام بهدف الصدام أي بهدف اشعال صراع مسلح فهو غير واقعي والقيادات الفلسطينية الحالية لا ترغب به خشية استغلاله اسرائيلياً من أجل اعادة ترتيب كل الأوراق من جديد، والقيادات العربية غير مستعدة للانضمام اليه ولذلك قد يسبب هذا الخيار احراجاً شديداً بالنسبة لها. على أي حال مثل هذا الخيار لا يحتاج الى اعلان دولة فانتشار الاجهزة الأمنية الفلسطينية في المنطقة "ب" كخطوة صدامية هو أمر ممكن في هذه المرحلة، والحجة قائمة في عدم التزام اسرائيل بتنفيذ اتفاق الخليل. قد يساور مثل هذا الخيار نفوس بعض القيادات الوطنية والتي لا شك بعدائها لحالة الوصاية الاسرائيلية - ولكن لا اعتقد ان القيادة الفلسطينية والأنظمة العربية القريبة منها ترغب بخوض مثل هذه المجازفة. * اكاديمي فلسطيني عضو الكنيست الاسرائيلية.