من منا لم يجنح إلى الاستفزاز يوماً، سبيلا إلى صدم "فكر" تكلّس وانحبس داخل "ثوابت" تصنّمت من صنم وتأقنمت من أقنوم، فكرٍ يمانع بإصرار عن أن يراجع وأن يعيد النظر، يحسب كنهه المحافظ، الكسول في محافظته، حفاظاًَ على الذات، حتى يصبح بديلا عن هذه الأخيرة، تُقدّم، في فعل أو طقس انتحاريين، قربانا من أجل بقائه؟ سلسة "ثوابتنا" تلك معلومة ومعلوم مدى تعلقنا بها، ضد البداهة والمصلحة في أحيان كثيرة: من "مقاومة" تُمجَّد في ذاتها، لا تندرج في سياسة ولا تسترشد بها، ومن "عروبة" بخسنا، عمليا، بعدها الثقافي، وهو ربما كان رافعة التنوع داخل "الوحدة"، وابتسرناها إلى بعدها السياسي، وهذا إلى التوهم وإلى القسر أقرب، ومن "هوية" نجمع عليها، نستحضرها من الماضي أو يُخيّل إلينا ذلك عن ظهر قلب، ونعجز عن إعادة اختراعها، عن مراجعة متنها والإضافات وتنويعاتها المحلية، في زمانها وفي واقعها، الآن وهنا... إلى "ثوابت" أخرى عديدة. المرء قد يجنح، إذاً، أمام كل ذلك، إلى تناول استفزازي أحيانا، أملا في تحريك ما سكن وما ركد، وأضحى قاتلا جرّاء سكونه وركوده. والاستفزاز، تعريفا، شطط وغلو، وإن من قبيلٍ موضعي وإجرائي، وهو رد فعل لا فعل، قد يتخذ هيئة المحاماة عن الشيطان. أي أنه في كل الحالات وسيلة، تُتوخى على مضضٍ قد يكون كبيرا، بشيء من الحرج ودون إقرار، إذ أنك قد تقول بغير ما تعتقد، من باب الحرص على ما تراه حيويا لا من باب الهدم والمناكفة. الاستفزاز يذهب خطوة أبعد من منظومة الأفكار والآراء المنقودة، لكنه يبقى خطوة، بل خطوات، دون اجتراح بديلها، أو هكذا يُفترض... إلا لدى رهط من "الليبراليين العرب"، على ما تسميهم نزعة مستشرية لدينا إلى الخلط والتعميم وإلى الكسل عن التبيّن والتمييز، ممن "حرر" العدوان الأميركي وتلك هي صفته، ليس فقط وفق الخطابة العربية المعهودة بل كذلك وأساسا وفق القانون الدولي على العراق غرائزهم، لينطلقوا محولين عناصر مقاربتهم الاستفزازية، من تمجيد للعدوان والاحتلال، ومن هجاء للذات وتبخيسها، ومن إناطة مهمة الخلاص الديموقراطي ب"يد عمرو" وبإيثاره، إلى عقيدة تغييرية وحيدة، في ما ينسبونه إليها من فاعلية، وجديدة، وإن لم تكن بالجدّة التي يتوهمونها لها. إنهم إيديولوجيون، مثلهم في ذلك مثل من يناصبونهم العداء من "إسلامويين" ومن "قومجيين" وممن لفَّ لفَّ هؤلاء وأولئك. وهم كسائر الإيديولوجيين، من أصحاب "المقالة الواحدة"، يعيدون الشرور كلها إلى شر وحيد أو أصلي هو، في هذه الحالة، استبدادنا، ويرون الخلاص في قوة واحدة أو في مبدأ وحيد هو، في هذه الحالة، الديموقراطية الأميركية، أو ما ينسبونه إليها من تبشيرية، حتى أنهم يكادون يستعيدون شعار ألد خصومهم، مرددين "أميركا هي الحل"، بنفس هذا اللفظ أو بما يفيده. المشكلة مع أولئك الإيديولوجيين قد لا تكمن في تشخيصهم لواقع الحال. فهم في ذلك، شأنهم شأن من هم من نفس النزوع الإيديولوجي وإن صدروا عن عقائد مختلفة، قد لا يجانبون الصواب تماما، أو هم لا يجانبونه جزئيا، إذ صحيح أن الاستبداد لدينا، كما في حالته الصدّامية القصوى، قد أناخ وأثقل حتى جعل الناس تكفر بالأوطان وبالوطنية وربما حلمت بالانعتاق على يد الأجنبي، وأن في الذات، وفي قصورها المديد والمقيم عن التطور وعن الفعل في التاريخ ما يستحق الهجاء، أقله كرد فعل أولي أو خام، وأن للولايات المتحدة باعا وتاريخا في إرساء الديموقراطية في ألمانيا وفي إيطاليا وفي أقصى الشرق. بل المشكلة أن التناول الإيديولوجي يسبك من تلك الملاحظات والاستنتاجات، المتسمة بالاجتزاء، أو ذات الطبيعة السطحية أو الانفعالية أو الانطباعية، "ثوابت" تستعيض بجموحها الإرداوي عن كل تأسيس فكري يُعتدّ به. التفكير الإيديولوجي يلفق "منطلقاته" تلفيقا لأنه في عجلة من أمره لبلوغ يقينياته الإيمانية الخلاصية الأخيرة. إنه تفكير "تيليولوجي"، حسب عبارة الفلاسفة، ينطلق من النتيجة في صياغة براهينه، ويجعل تلك تسوّغ هذه. وهكذا، إذا ما كان التفكير النقدي الليبرالي، إن اعتبرناه صنو الديموقراطية، ينطلق من مقدمات متينة، أو أقرب ما تكون إلى المتانة، أو يجهد في تمتينها، لبلوغ حقائق نسبية، فإن التفكير الإيديولوجي ينطلق من مقدمات هشة، شديدة الهشاشة، لبلوغ حقائق صلبة، أو يمحضها صفة الصلابة تلك. لذلك، وبهذا المعنى، ليس أبعد عن الليبرالية من ذلك الرهط الآنف ذكره من "الليبراليين العرب". إذ أن إناطة مهمة الخلاص بالاحتلال الأميركي، وتنزيله منزلة "قابلة التاريخ" في مناطق العرب والمسلمين، على ما هو محور تلك النظرة وأقنومها، ليس أكثر من فعل إيمان، يستقي مبرراته من ذاته، أي من مجرد التسليم به. وهو يتوهم القطع والبدء، على ما هو ديدين الإيديولوجيات أيضا، حيث لا قطع ولا بدء. إذ هو لا يفعل، في ذلك وبذلك، سوى نقل مهمة "الخلاص" تلك من يد إلى يد، من "الحزب الطليعي" الثوري بذاته، لأنه قاد التحرر الوطني، أو لأنه قومي أو لأنه ماركسي، أو لأنه كفّر مجتمعات آبت إلى الجاهلية، أو من المؤسسة العسكرية التي مُحضت نفس تلك الفضائل، إلى الولاياتالمتحدة وتدخّلها واحتلالها. إنه الإصرار ذاته على أن مجتمعات هذا الفضاء المسجّى ميتا من "المحيط إلى الخليج"، لا يأتيها التغيير إلا قسرا وإرادويّا ومن خارجها. غير أن الأمانة تقتضي التنويه بأن "ليبراليينا" أولئك قد تجرأوا على الجديد وإن كرروا في الجوهر، أو أنهم يكابدون يأسا عدميا يضاهي يأس "الجهاديين الانتحاريين" مثلا أو يفوقه، حيث أنهم تجاوزوا سابقيهم أو نظراءهم، بأن انتقلوا بمفهوم القوة الخارجة تلك، أداة التغيير المنشود على السويّة التي يريدون، من الخارجة بالمعنى البنيوي، تقطع مع مجتمعات راكدة لتتصدرها وتشكل طليعتها، إلى الخارجة بمعنى الأجنبية... بصراحة وببساطة! وهم، إذ يفعلون ذلك، يذهلون، أو يتذاهلون، عن أمور كثيرة. أولها أنهم كثيرا ما يشخّصون عاهات مجتمعاتهم وكأن هذه الأخيرة لا تزال بكرا، لا تزال عشية حملة نابليون على مصر أو عشية احتلال فرنسا للجزائر، لم تشهد الحداثة أصلا، ولا تنتظر إلا أن يأتيها الاحتلال الأميركي ببذرتها ويرعاها حتى تصبح نبتة يانعة وتزدهر نصابا ديموقراطيا، في حين أن المجتمعات تلك غرقت في الحداثة حتى الرقبة، وإن بدرجات متفاوتة ووفق وتائر متباينة. مشكلتها ليست في أنها لم تعرف الحداثة، بل في أنها أساءت معرفتها، ودخلتها من الباب الخطأ، وتوصلت إلى أكثر صيغها إخفاقا وتأزما. نحن، في هذه المنطقة من العالم، لا نعيش انعدام الحداثة، بل نعيش تأزمها وتشوهها. وأتباع الحركات الإسلامية، في ما عدا الاستثناء الطالباني ربما، لم يصدروا عن "كتاتيب" عتيقة تجتر تعليم العصر الوسيط، بل عن جامعاتنا ومعاهدنا "الحديثة" وعن جامعات الغرب أحيانا. وهم قد لا يتأتون من أكثر فئات المجتمع وبُناه تقليدية، بل هم نتاج تغييرات دراماتيكية، اجتثت أُسرهم من أريافٍ ما عادت تقيم أودها، وزجت بها في ضواحي مدن ليست مهيأة لاستقبالها. لذلك، فأتباع الحركات الإسلامية، محافظون بالمعنى الإيديولوجي و"ثوريون" بالمعنى السوسيولوجي. كل ذلك بديهي وتحصيل حاصل؟ بالتأكيد، إلا لدى ذلك الرهط من "الليبراليين العرب"، ممن تقتصر دعوتهم على استئناف ما جُرب وأخفق ولم يصح. وصفاتهم التحديثية، وإن زعمت تجديدا نسبيا بتضمين الديموقراطية، تستعيد حرفيا ما كان يقوله "التحديثيون" الإرادويون السابقون بشتى مسمياتهم، بل تنهل مما كان يتردد في أدبيات القرن التاسع عشر في ذلك المضمار، وكأن فشلا ذريعا لم يُسجل، وكأن الفكر السياسي لم يتقدم قيد أنملة مذاك، وكأن فلسفة الأنوار لم تخضع لنقد صارم، وكأن العالم لم يشهد تجارب تحديث وديموقراطية غير غربية اليابان مثلا، إلى ما إلى ذلك الكثير. وربما اعتقد "ليبراليونا" أولئك أن نجاحهم في "تجنيد" القوة العظمى الوحيدة في العالم للنهوض بمهمة الخلاص يعفيهم من كل مراجعة ومساءلة. هذا، بطبيعة الحال، فضلا عن ضحالة فكرية هم، والحق يقال، لا يحتكرونها، وتمثل قاسما بل جامعا مشتركا، وبالغ الاتساع، بينهم وبين سائر "النخب" العربية. ثم ما هو مأتى ذلك اليقين بأن الولاياتالمتحدة ستكون أداة التغيير الديموقراطي في المنطقتين العربية والإسلامية؟ تجربتها في اليابانوألمانيا؟ ولكن أميركا الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة، قد لا تكون أميركا الحالية. تلك كانت، داخل معسكرها، الأولى بين حلفائها، كانت أقواهم وقائدة عالمهم الحر، لكنها لم تكن سيدتهم، وهذه إمبراطورية تنزع إلى الانفراد، علما بأن الفكرة الإمبراطورية بما يلابسها من قيام على مبدأ الغلبة والقسر والفكرة الديموقراطية المستندة إلى مبدأ الاختيار الطوعي تكادان تتناقضان أصلا، كما هو معلوم من السابقة الاستعمارية الكلاسيكية: بريطانيا. فأُم الديموقراطية ومهدها، لم تكن تحكم الهند ديموقراطيا، وفرنسا كانت تُنكر على "مواطنيها" من الجزائريين المسلمين نفس ما كانت تقره مبادئ ثورتها العتيدة لأبنائها في المتروبول، مع "كونيّة" تلك المبادئ. ألا يفترض "ليبراليونا" أولئك أن تنسج الإمبراطورية الأميركية على ذلك المنوال، بحكم منطق الأشياء وقوتها، وإن كمجرد احتمال قد لا ينسف يقينهم، وإن كاستدارك جزئي يضفي شيئا من نسبية؟ ثم أن حقبة الحرب الباردة ليست مقنعة ناجزة الإقناع في ذلك الصدد. فالولاياتالمتحدة لم تكن خلالها فاعلة خير ديموقراطي، بل كان هاجسها محاربة السوفيات، إرادة قوة في مواجهة إرادة قوة، وكانت الديمقراطية أحد أسلحتها في ذلك، قد تستخدمها موضعيا، وقد تُحجم وقد لا تعبأ، بل قد تجهضها كما في تشيلي... لكن التفكير الإيديولوجي انتقائي بطبعه، يتعاطى مع ما يناقضه بالإغفال الذي لا يتورع عن العنف إن دعت الحاجة. كل ذلك خلوصا إلى القول بأن "الليبراليين" أولئك إنما يسطون على الليبرالية ولا يمثلونها. فالتفكير الديموقراطي، القائم على ملكة النقد وعلى الاختيار الحر، لا يمكنه إلا أن يكون مناهضا لاستراتيجية هيمنة كتلك الأميركية، حتى وإن كانت صاحبتها قبلة الديموقراطية في العالم ونبراسها. بل أن الديموقراطية باتت شرط صيانة الأوطان وإعادة اختراع الوطنيات وهو ما أخفقت فيه أنظمة الاستبداد بأنواعها إخفاقا كاملا. وهي ما عادت مجرد نظام حكم، بل باتت مقوّما من مقوّمات السيادة والاستقلال، في غيابها استدراج للإستباحة، وفي وجودها حصانة. وقد برهنت الأزمة العراقية الأخيرة، بأن بين أقوى البلدان صوتا في وجه الأحادية الأميركية، بعض الأرسخ ديموقراطية ألمانياوفرنسا، وأن بين أضعفها بعض تلك الأكثر استبدادا. التحرر من حكم الأجنبي حق من الحقوق الإنسانية، وهو، لصفته هذه، يجب أن يُدرج في صلب الليبرالية والديموقراطية. الأمر هذا جوهري، وهو لا يقال من باب درء شبهة الخيانة عن الليبرالية، أو بدافع انتهازي... لذلك، وجب التمييز والتمايز على ما نوّه وحيد عبد المجيد في "تيارات" قبل أسبوعين، وإطلاق النار في الاتجاهين، صوب استبدادنا المقيم وصوب البوشية الإمبراطورية، سواء بسواء كما كتب حازم صاغيّة في "تيارات" الأسبوع الماضي. على الاّ يغيب عن الذهن أن الذخيرة الفكرية لا تزال بدائية، تتطلب جهدا كبيرا...