يمكن اعتبار التاريخ الذي ظهرت فيه "الأيام الطويلة"، التي كانت "رواية لكاتبها" الشاعر البعثي عبدالأمير معلة، بداية ازدهار نوع جديد في تاريخ الأدب العراقي: رواية الديكتاتور، والذي ستصل ذروته بعد سنوات، بتثبيت تقاليد الديكتاتور - الروائي. سلفاً، ومنذ أواخر السبعينات، تاريخ نشر وتوزيع "الأيام الطويلة"، بدأ التنظير للنص الشامل. هذا النص الشامل لا يخضع لمعايير النقد المعروفة، أو على الأقل، حتى تلك المعايير السائدة في العراق، التي اعتمدت أصلاً على طروحات "الواقعية الاشتراكية" المتخلفة للشيوعيين ، الحلفاء في السلطة. وكانت أية محاولة، مهما كانت بسيطة بل حتى الإشارة للأخطاء اللغوية والمطبعية لم تكن مسموحة، يمكن أن تقود إلى السجن على أقل تقدير، إن لم يكن للإعدام. أتذكر في هذا السياق، محاولة نفر يعد بالأصابع، من غير البعثيين والشيوعيين، حاول آنذاك عبثاً، التعرض لكتاب "الأيام الطويلة"، بالتركيز على الناحية الجمالية، أو من زاوية أصول كتابة الرواية، واختلافها عن كتابة السيرة، على أساس، أن الشخصية الرئيسية، التي تتحدث عنها الرواية، ما زالت موجودة، وكل تفاصيل حياتها معروفة سلفاً للقارئ، مما ينقص الرواية عنصر التشويق، وأن الرواية لا تأتي بجديد، لا على مستوى الحدث، ولا على مستوى التوثيق، وخاصة وأن حياة الديكتاتور، وثقها أكثر من صحافي عراقي وعربي العراقي حسن العلوي في أعداد خاصة من مجلة ألف باء والمصري أمير أسكندر في كتاب ضخم، لمجرد ذكر مثالين فقط... إلى غيره من الحجج. تلك كانت مجرد استراتيجيات للالتفاف على تقييم عمل ركيك، يقدم نفسه بصفته رواية "عظيمة"، أُريد منها تجنب التعرض لخطر الاعتقال. ولكن حتى تلك الملاحظات البسيطة، التي اقترب معظمها من الهمس، أُسكتت، لأن، وكما شاع في تلك الأيام، حزب البعث اصدر تعميماً على كل الأدباء البعثيين بمدح الرواية وتعظيمها في كل مكان. ولم تكتف الماكنة الإيديولوجية بالترويج للرواية، إنما فرضت بيع الرواية في الدوائر الرسمية وفي المدارس والجامعات، وبالتوازي مع تحولها إلى فيلم سينمائي من إخراج المصري توفيق صالح، تسرب للعلن، أن هناك تتمة للرواية ستصدر لاحقاً. لكن "الأيام الطويلة" حملت مفارقتين عجيبتين، تجعل المرء يقول: يكذب من يقول، الأدب يقلد الحياة، لأن الدرس الذي قدمته "الأيام الطويلة" يثبت العكس. المفارقة الأولى: بالتوازي مع الرواية المنشورة، كانت هناك رواية "واقعية"، تدور أحداثها بصورة شبه علنية، تكمل أحداث الرواية، ابتداءً من موت بطل الفيلم، الذي جسد الشخصية الرئيسية في الرواية، شخصية صدام حسين، على يدي عدي صدام حسين تعويض عن قتل الأب، ربما؟، إلى قتل "كاتبها" على يدي رفاقه ربما دليل على إيمان صدام حسين بنظرية رولان بارت: موت المؤلف؟، قيل بسبب إصراره على كتابة الأجزاء الباقية، وبسبب تذمره من عدم تكليفه بكتابة "زبيبة والملك"، الأمر الذي حمله على تسريب الاسم الفعلي "لكاتبها". المفارقة الثانية، هي سحب الرواية من الأسواق ومنع الحديث عنها الأمر ذاته حدث لفيلم توفيق صالح، هذه المرة عمم حزب البعث على أدبائه: من يجرؤ على مدح الرواية يعرض نفسه للخطر! من الجانب الآخر، في كل هذه السنوات، واظب صدام حسين على دعوة الأدباء والفنانين إليه، ليبدأ برواية الحكايات لهم في الحقيقة لا يتقن الرجل حتى الرواية الشفهية. وكان الأدباء يخرجون منه، ليكتبوا في اليوم الثاني، في الجرائد مدائحهم، عن حكمة "القائد" ونظرته "العميقة" للأدب، وعلاقته "الإنسانية" بالأدب، وأنه هو السياسي "الكبير" يتواضع ويحاور "بديموقراطية" و"تفهم" الأدباء، والجميع متفقون، على أن رعاية الرئيس "القائد" تمنح الأدب "أرومة إنسانية"، وتساعد الأدباء "على تطوير أساليبهم الأدبية وتغيير نظرتهم بالكتابة". نأخذ ذلك بصورة مجردة، نستنتج، أن صدام حسين بالفعل، كان أول رئيس جمهورية في العراق يدعو الأدباء إليه كما القذافي اليوم. في الوهلة الأولى يبدو ذلك مدهشاً، ولكن نظرة عميقة، تبين، أن مشهد لقاء الديكتاتور بالأدباء، يشير إلى اكتمال الخراب الذي أطبق على البلاد كلها. من تلك اللقاءات، أو على هامشها، نشأت الرغبة عند الديكتاتور بأن يكتب الرواية بنفسه، ربما أيضاً، وهو على حق في هذه النقطة، اكتشف بنفسه الرسالة التي أُلقيت على عاتقه، المهمة الخاصة به وحده: أن يتوقف عن سماع تلك الأطنان الغثة من القصائد المملة والطويلة على نمط: الشمس منين تطلع؟ من هناك..من العوجة...، ويأخذ على عاتقه أن يكتب بنفسه روايات الحب "الأخاذة" والتي لا تخلو من المغامرة، التي يمدح بها نفسه. هكذا نشأت أربع روايات، ثلاث روايات نُشرت، قبل اختفائه "الواقعي السحري المفاجئ" "زبيبة والملك" و"مدينة ورجال" و"القلعة الحصينة"، والرابعة "أخرج منها يا شيطان"، عُثر عليها كمخطوطة جاهزة للنشر، في مكتبه على خطى العظماء: يجب أن يترك عملاً أدبياً وراءه!!، روايات كُتبت باسم مجهول، "رواية كاتبها"، كتب على غلافها بصورة سرية، وبتواضع، لأن ريع بيعها يذهب "للفقراء، للأيتام، للمحتاجين، ولمنظمات الإحسان". صحيح أن الروايات تبدو متشابهة في معالجاتها، إلا أن مستوى كتبتها، كما يبدو مختلف، إن لم يكن كتبها "كاتبها" بمستويات "بنيوية" مختلفة كذا!. ولم تحصد جميعها، الشهرة ذاتها، التي حصدتها، "زبيبة والملك"، التي تحولت إلى مسرحية ضخمة، ساهم بإعدادها للمسرح "كبار" مسرحيّ العراق، وأخرجها بحماس "وبحب متفان للقائد" المخرج البعثي المعروف، سامي عبد الحميد، مثلما تحولت إلى مسلسلة إذاعية وتلفزيونية، تنافس على المشاركة فيها أهم الفنانين والفنانات في العراق. ربما تعود شهرة "زبيبة والملك"، لأنها أول الروايات الصادر "لكاتبها"، أو لأنها كُتبت بطريقة اكثر ركاكة من الأخريات، لأن في أزمنة الانحطاط، يشتهر ما هو أكثر انحطاطاً. لذلك ليس من الضروري الحديث عن الروايات الأخرى، التي هي تنويعة على قصة "زبيبة والملك"، ومن أجل الحديث عن جميع هذه الأعمال، يكفي الحديث عن "زبيبة والملك"، التي خُطط لها أن تترجم للغات أخرى: النرويجية والفرنسية والإسبانية..ربما أيضاً ترشيح صدام حسين لجائزة نوبل، لكي ينافس المرشح ال"القاتل" الآخر: الصربي رادوفان كارادجيك!..ألخ. قصة "زبيبة والملك" تحمل رسالتين في داخلها: ميلودراما - على طريقة أسوأ الأفلام المصرية - في الحب والبطولة، قصة تثير الشجن وتدغدغ الأحلام. حدث الرواية بلا معنى: البطلة قروية جميلة تعيش في بابل القديمة، فتاة يعجب بها الحاكم، لأنها بالنسبة له، طفلة حقيقة للشعب العراقي، وليس بسبب جمالها فقط، إنما تشده إليها بسبب حكمتها ودهائها، يعرف عبرها ثقل العبء الذي أُلقي على عاتقه، هو الذي يعيش وحيداً في قصوره، حيث لا يثق بأحد، وحيث يشعر بنفسه مجبراً على ممارسة العنف، من أجل خير البلاد ونعمتها، لكي تبقى البلاد موحدة، لا تقطع أوصالها الحروب الداخلية. "هل يحتاج الناس قوانين صارمة، من قائدهم؟" يسأل الحاكم الفتاة، وكأنه يشك بالواجب الذي ألقي على عاتقه، أو كأنه يوحي بتأنيب الضمير: "نعم، سيادته"، تجيبه زبيبة، "الناس تحتاج هذه القوانين الصارمة، لأنهم بالذات عن طريقها يشعرون بأنهم محميين". أية حكمة يمنحها الشعب للحاكم، طالباً منه: اقتلنا. أخيراً يمنح الشعب الشرعية الديموقراطية للطاغية باضطهاده. لكن القصة تأخذ للأسف مساراً سيئاً، لأن زبيبة تُغتصب من قبل زوج يغار عليها، يأتي مع الغزاة. أمر حمل الملك على قيادة حرب لأخذ الثأر، على طريقة "وامعتصماه!". لكن الفتاة تُقتل في ذلك الوقت: بالذات في يوم 17 كانون الثاني يناير، التاريخ الذي بدأت فيه طائرات وصواريخ قوات التحالف، هجومها الجوي على بغداد في العام 1991. الرمز في الرواية، كما في الروايات الأخرى، واضح وساذج جداً، يريد أن يقول لنا: زبيبة تمثل العراق، الذي أُذل وأغتصب "من الأجانب الغزاة وأعوانهم من الخونة القادمين من المنفى"! ولكن مهما قيل وأُشيع عن الرواية، وتضاربت الأنباء بصدد كاتبها، سواء كتبها صدام حسين ذاته، أم كتبها شخص آخر، فإن ما يهمنا أكثر، هو الدلالة التي تحملها خلاصة الحكاية المتمثلة في مشهد واحد: فما يبقى منها في النهاية، فقط الدعاية الواسعة للملك، عندما يقول لها بلهجة آمرة ما معناه: "أنا قائد عظيم، عليك طاعتي، وأكثر من ذلك، عليك أن تحبيني". جملة تبين حجم الوحدة التي يعاني منها الطاغية! أنه يقتل، ويصدر القوانين الصارمة، ولا يثق بأحد: انه وحيد، يضحي بنفسه، بحياته، بإنسانيته، لأنه كما يوحي، شخصية مسالمة في دخيلته، مجبر على القتل، بل الشعب هو الذي يجبره على القتل، وبدون ذلك، يعني أن البلاد تتفكك وتندثر، ووجوده فقط وبالطريقة التي يختارها هو ما ينقذ البلاد والناس ألا يؤكد ذلك مثقفون "كبار" باسم الثورة العربية والتحرر، ويبررون المقابر الجماعية والحروب التي سببها الديكتاتور، لأن الأهم هو مشروعه القومي!!، من غير المهم عدد جرائم القتل، التي عليه ارتكابها" المهم أن تبقى السلطة. الطاغية الوحيد، يريد إجبار الآخرين على حبه، حتى عندما يُحب بالفعل" حليفه الوحيد الذي يقف إلى جانبه في هذه المعركة "المقدسة"، هو اللغة: اللغة التي يفهمها الجميع، لغة الشعب، الوسيطة بين الحاكم الوحيد، المعزول وشعبه. إذن، العنف لا يكفي، إذا لا تكمله اللغة: العنف الذي مورس ضد البعض والذي يظل سيفاً مسلطاً على الآخرين، وتشكيل لغة يفهمها الجميع، ولا مكان لأحد يختار لغة أخرى. وفي هذه النقطة - الهدف تلتقي روايات "كاتبها" لصدام حسين مع روايات أخرى لا تحصى كُتبت بالعربية. كل تلك الروايات التي كُتبت باسم الشعب وللشعب، تلك الروايات التي قيل فيها، أنها تحمل "صوت الشعب"، أو تدعي تمثيل العشب والجماهير تلك التعابير المبهمة!. عن طريق هذه اللغة تصر قومية ناشئة، ضعيفة، تشعر بالمهانة، على تشكيل نفسها، على التعبير عن نفسها. وفقط بهذا الشكل، يصبح من غير المهم، بل أمراً زائداً عن اللزوم تماماً، التساؤل عن هوية كاتب روايات صدام حسين، لأن المشهد الروائي العربي يزدحم بمنافسين "روائيين" لا يحصون لصدام حسين - الروائي، أو ل"كاتبها"" وقائمة الأدباء الذين يوثقون الانحطاط والركاكة يومياً، طويلة جداً. أنه أمر يثير الكآبة، بقدر ما يثير التقزز، عندما يكتشف المرء، أن الأدب الذي هو أصلاً يغني الجمال، يبعث على المتعة ويضيف المعرفة، يتحول في منطقتنا إلى ماكنة تصنع وتعيد إنتاج العنف والعنصرية والقتل والدونية، وبهذا الحجم، ليس في سوق الكتاب فقط، إنما على الصفحات الثقافية للجرائد العربية، وكأن لا يكفي وجود أنظمة ديكتاتورية تُحطم الإنسان، كأنه ينقص الناس أن يُدمروا ويُقتلوا "أدبياً"، في شكل روتيني. الطاغية السياسي، والطاغية الأديب، كما في حال صدام حسين، و"كاتبها" يريدان وضع الاثنين معاً، يمسكان بهما مثلما يقبضان على الصولجان: الأدب والضرب: "الأيدي الملطخة بالدم، والأصابع ملطخة بالحبر". بهذا الشكل تتشكل الأمة!