غيب الموت الفنان الكوميدي الإيطالي ألبيرتو سوردي الذي رسم خطاً كوميدياً متميزاً على جدار الشاشة الإيطالية، عن عمر ناهز 82 عاماً، وكان كبيراً بفنه وبروحه الطافحة بحب مدينة روما التي خرج أكثر من 250 ألف من مواطنيها لإلقاء تحية الوداع الأخيرة على جثمانه الذي سجي في إحدى قاعات قصر الكامبدولوليو التاريخي العريق، مركز بلدية روما. وأعلن نبأ وفاة هذا الفنان القدير الذي ولد في أحد أحياء روما القديمة عام 1920 وقدم للشاشة الإيطالية نحو 190 فيلماً، مصحوباً بردود فعل الأوساط السياسية والحزبية والفنية والسينمائية والمسرحية في عموم أوروبا، التي أعلنت حزنها العميق لرحيل أحد أهم "مؤرخي" الزمن المعاصر لإيطاليا عبر أعماله الفنية التي تعرضت لسلبيات المجتمع التي كانت قائمة وغائبة عن وعي الإيطاليين منذ بدايات الخمسينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي. كان في أفلامه كافة بمثابة "جوكر" الحركة السينمائية الإيطالية منذ بداية الواقعية الإيطالية الجديدة، مجسداً شخصية الإيطالي بكل خلجاتها وتقلباتها وانتهازيتها وشعورها بالدونية إزاء الآخر، القوي أو الثري أو الأجنبي. وقد امتدت ثورته التي استمرت حتى آخر أفلامه "تزوجني يا أبي" مع ممثلة الإغراء فاليريا ماريني عام 1998، على السلبيات التي كان يفجرها في صور كوميدية صارخة وساخرة على الشاشة حتى يجبر المواطن الإيطالي على أن يضحك على سلبياته ويسخر من ازدواجية السلوك حيال الصواب والخطأ. المتأمل في أفلامه يجد أنها تحمل في ثناياها الكثير من الأفكار النقدية التي لا تخلو من السخرية، فقد ظل في معظم أفلامه الضاحك الباكي، الثائر الساخر، الذي كان يجيد صنع الموقف الذي يفجر الضحك. فهو في جميع أفلامه كان ماكراً في التحايل والعبث والشقاوة والوصول الى تحقيق أغراضه بكل السبل والأساليب. وفي أوائل الخمسينات اتسعت دائرة الإنتاج السينمائي في البلاد، فإلى جانب تيار الواقعية الجديدة في السينما الذي صعد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت تيارات أخرى تعمل على النمط الهوليوودي، وبدأت الشركات الأميركية الضخمة تكليف فروعها في إيطاليا بإنتاج الأفلام إضافة الى مهمتها الرئيسة في توزيع الأفلام الأميركية، وكانت التكاليف المخفوضة للانتاج في إيطاليا هي السبب الأول في ذلك، وهكذا تدفقت على الشاشة العالمية أنواع مختلفة من الأفلام الإيطالية كأفلام المغامرات وأفلام الكاوبوي على الطريقة الإيطالية، وكان سوردي الذي برز نجمه بصورة مفاجئة قد عمل في مثل هذه الأفلام الى أن وقف أمام المخرج والممثل الكبير فيتوريو دي سيكا، ومن ثم فيلليني مونيتشيللي، وايتوره سكولا ودينو ريزي، في عدد من الأفلام ليبرز اسمه الى جنب الوجوه الجديدة من النجوم مثل آنا مانياني والدو فابريتسي وصوفيا لورين وروزانا بودستا وجينا لولو بريجيدا وسيلفانا مانكانو وعشرات غيرهم. في جميع الأدوار التي قام بها مثل فيلم "الكونت ماكس" و"الحرب الكبيرة" مع الممثل الراحل فيتوريو كازمان، و"شرطي المرور" و"أميركي في روما" و"الشيخ الأبيض و"العجول" و"حياة صعبة"، و"أبطالنا" وعشرات الأفلام الأخرى كان سوردي وعلى مدى خمسين عاماً، ورقة رابحة في ساحة السينما الإيطالية، بقدرة وموهبة إبداعية متميزة. وصفه رئيس الجمهورية الإيطالية الذي كان بصحبة رئيس الوزراء وعدد كبير من الوزراء وأعضاء مجلسي البرلمان والشيوخ من أوائل من ألقوا التحية على جثمانه المسجى في قاعة بلدية المدينة بقوله: "لقد عرف جيداً كيف يشخص مشاعر الإيطالي وتقاليده وشخصيته". أما المخرج مارتن سكورسيزي فقال: عنه "من خلال أفلامه كافة يمكن كتابة تاريخ إيطاليا المعاصر". أما صوفيا لورين فقالت عنه: "سيظل الحنين اليه كواحد من أبرع الممثلين الإيطاليين ما بعد الحرب العالمية الثانية". كان المواطن الأول بعد محافظ روما الحالي الشيوعي السابق فالتر فالتروني إذ احتل منصب الرئيس الفخري لعشقه الشديد لمدينته التي تولى منصب عمدتها ليوم واحد لمناسبة بلوغه سن الثمانين، فقام بتأسيس أول جمعية فنية لرعاية صغار السينمائيين في إيطاليا، وفي أحد اللقاءات التي جمعتني به للاحتفال بعيده الثمانيني سألته عن رحلته الطويلة مع الحياة والسينما فقال: "إنها أشبه ما تكون بجولة سينمائية طويلة في مدينة روما، كما إنني لم أشعر على الإطلاق بالشيخوخة إلا عندما يجبرونني على عمل مكياج لوجهي، مع إنني اختار على الدوام الأدوار التي تناسب عمري، فالشيخوخة هناك على الجانب الآخر من الشارع، ولون شعري كما عهدته قبل خمسين عاماً، سوى أنه تلوث ببعض البياض يلتفت الى زميل برفقتي ليسأله قل لي بربك هل تقدر عمري بثمانين سنة؟".