قد يبدو عنوان المقال مستغربا بعض الشيء، بل قد يكون مستفزا للبعض، ولكل رأي ما يبرره. غير أن هناك من المعطيات والقرائن والمسوغات ما يجعل المقاربة بين البناءين مشروعة تماما، بل وربما ضرورية. ففي سياق قراءتنا الحداثة المعمارية التي تحاصرنا من كل جانب، لا نملك إلا أن نفكك حداثتهم، كما وصفت في مقال الأسبوع الماضي، لكي نصنع في النهاية حداثتنا التي مازلنا نبحث عنها منذ ما يقارب قرنا ونيف. معماريا (ومعماريا فقط) يتشارك المسجد والمسرح جوانب متعددة في عمارتيهما. تاريخيا، لم تعرف العمارة الإسلامية بكل مستوياتها (حضارة، ودولة، أم ثقافة) بناء المسرح، بينما كان المسرح المفتوح منه والمسقوف بناء رئيسا في الغرب. من الخارج، كلا البناءين أيقوني الشكل. إنه يبرز بجلاء ووضوح عن محيطه المباشر، أو هكذا يجب أن يكون، في إشارة الى أهمية كل منهما في ثقافتين مختلفتين جذريا. داخليا. يتشارك المسجد والمسرح في صفات عدة. أولا: في كلا البناءين ينفصل المتعبد والمشاهد عن الخارج فصلا تاما، ليعيش تجربة فردية خالصة داخل كل منهما، «دينية» في الأول و«ترويحية» في الثاني. ثانيا: في المسجد والمسرح تنصب الأنظار كلها نحو المركز. في الأول نحو المحراب وإمام المسجد، وفي الثاني نحو خشبة المسرح، حيث يتعدد شخوصه باختلاف العرض المسرحي. هذه المحورية أساسية في كلا البناءين، وهي إلى حد بعيد ترسم أفق استخدامهما وظيفيا وفراغيا وصوتيا. ثالثا: كلا البناءين متماثلان (symmetrical). رابعا: يجلس الناس وظيفيا في صفوف متوازية لمواجهة المركز. غير أن الشكل الدائري لصفوف المسرح، والارتفاع المتدرج لصفوفه، يجعلانه مختلفا على مستوى الوظيفية عن المسجد. ويبقى الصوت، وما ارتبط به من اعتبارات في عمارة كل منهما في الداخل، جانبا أساسيا في عمارتيهما. هناك بالطبع اختلافات عدة، لكنها تبقى غير مؤثرة في هذه المقاربة. المبنى (أي مبنى) عبارة عن عناصر تكون في مجموعها شكل البناء بالكامل. يغلب على المساجد المعاصرة في المملكة «مسجد السقيفة»، وهو عبارة عن بلاطة خرسانية مسلحة تغطي كامل مسطح المسجد، تتوسطه قبة رئيسية تستند على أربع دعامات. هذا النوع من المساجد (يسمى أكاديميا المسجد العربي) بحاجة إلى إعادة النظر فيه لأسباب عدة، لعل منها غياب الإحساس بالاتجاه في المسجد، وفقدان المسجد في الداخل للاعتبارات التصميمية، التي من شأنها أن تساعد على إضفاء أجواء خاصة «روحانية» في المسجد، والاختفاء الكامل لاعتبارات الإضاءة الطبيعية في المساجد. ويبقى الصوت هو العامل الأهم في تفضيل الناس مسجدا على آخر. وعلى الرغم من أن الصوت ليس عنصرا معماريا، فإن هندسة الصوت الداخلي في المساجد مازالت هي الأخرى بحاجة إلى أن توفر مستوى من الراحة السمعية يليق بروحانية أداء العبادة. في هذا السياق، وفي سبيل الارتقاء بعمارة المساجد نحو آفاق جديدة لم تعرفها، فإن إعادة قراءة عمارة المساجد ضمن سياقات حديثة قد يكون مصيبا. بداية، فإن مسجد السقيفة (ولنتذكر هنا سقيفة بني ساعدة) هو أقدم أنواع المساجد، ويعتبر مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، الذي بُني على يديه الكريمتين، أصلا له. غير أن شكل المسجد ما لبث أن تغير في كل رقعة جغرافية وصلها الإسلام. لذلك، فإن مسجد السقيفة كنوع مهيمن على عمارة المساجد بالمملكة بحاجة إلى تطوير جديد كليا في عناصره المكونة له من الخارج، وفي نوع وشكل فراغه من الداخل، لكي يستجيب للاعتبارات الروحانية التي تتطلبها عمارة المساجد. وهنا تحديدا، فإن المسرح بالذات – بغض النظر عن الاختلاف الجذري لوظيفة المسرح – يمكن استعارة بعض عناصره في عمارة المسجد وتطويرها، بما يخدم عمارة هذا الأخير. ويبدو أن شيئا من هذا التشابه قد وجد طريقه للتو في عمارة المساجد. انظر على سبيل المثال إلى الشرفات الداخلية للمسارح، وتحويلها إلى أدوار مسروقة (ميزانين) خاصة بالنساء في بعض المساجد. هكذا، وعلى الرغم من اختلاف الوظيفة بين البناءين، يتضح بجلاء أهمية الاستفادة من مخرجات الحداثة الغربية نفسها. وفي النهاية، ليس من العدل، ولا من المنطق التاريخي لتطور العمارة، أن يختفي المسجد، ويترك المجال لغيره من المباني التي تعكس روح العصر، وهو البناء الأهم في تاريخ العمارة الإسلامية.