لمسه إنسانية من تركي بن سلمان لأسرة النجم الراحل في يوم مفعم بالحزن والأسى فقدت الساحة الرياضية أحد نجومها الذين أضاؤوا سماء الكرة السعودية بعطائهم وإخلاصهم قبل ما يزيد على عقدين من الزمن، بعد أن هبطت آخر طائرات «الأباتشي» في المدرج الأخير، محملة بجسدٍ فارق الحياة لكنه ظل خالداً في الذاكرة. رحل عن دنيانا يوم الأحد الماضي مهاجم نادي النصر والمنتخب الوطني السابق عبدالرحمن البيشي الملقب ب(الأباتشي) بعد معاناة طويلة وشجاعة مع مرض التصلب الجانبي الضموري (ALS)، عن عمر يناهز 43 عاماً «تغمده الله بواسع رحمته». (الرياض).. كعادتها في التفاعل مع الحدث الرياضي تستعرض من خلال صفحة (نجوم الأمس الرياضي) جانباً من سيرة النجم الراحل عبر الأسطر التالية:مرمى الدعيع قاده للنجومية المبكرة مسيرة البيشي الذي وُلد في عام 1982م / (1402ه) لم تكن طويلة بالسنوات فقط بل كانت مكثفة بالعطاء والإبهار، وبدأ شغفه بالمستديرة منذ نعومة أظفاره، فالتحق بفريق الأشبال في النصر عام 1996م (1416ه) تحت تدريب الوطني القدير يوسف خميس الذي تبنى موهبته واكتشف قدراته وصقل نجوميته، إذ تحول من لاعب وسط إلى مهاجم ليكتشف النادي الأصفر أنه يمتلك جوهرة ثمينة. وفي أول موسمين له مع فريق تحت 17 سنة سجل 74 هدفاً رقم خرافي ينبئ بمستقبل استثنائي ثم نجح في ارتداء القميص الأصفر للفريق الأول وعمره لم يتجاوز 18 عاماً نظراً لموهبته الفطرية خاصة بعد هدفه المهاري الشهير في شباك حارس الهلال الدولي محمد الدعيع في أول لقاء يمثل الفريق بعد اختياره لأول مرة. لقب (الأباتشي)..! صعد للفريق الأول عام 2000م (1420ه) وسرعان ما أصبح حديث الملاعب لسرعته الفائقة ومهاراته العالية في المراوغة والاختراق، وهو ما أكسبه لقب (الأباتشي) الذي لازمه طوال مشواره. لم يكتفِ بالنجاح المحلي بل امتد تألقه للمنتخبات فمثل المنتخب الأولمبي في تصفيات أولمبياد أثينا 2004م، وانضم للمنتخب الأول وشارك في كأس أمم آسيا 2004م. ولأن (العين الكبيرة) لا تخفى عليها المواهب اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في عام 2003م ضمن أفضل 10 لاعبين شباب في العالم كوسام دولي نادر على موهبة استثنائية. سبع سنوات مع (التصلب الضموري) لكن الحياة ليست ممراً مفروشاً بالورود، في عام 2019م وفي قلب هدوء اعتزاله حلت العاصفة، أعلن البيشي بإيجاز الموجع أنه مصاب بمرض نادر وخطير هو (التصلب الجانبي الضموري) ذلك المرض الذي يهاجم الخلايا العصبية الحركية حسب التقارير الطبية، ويحول الجسد تدريجياً إلى سجن لا يتحرك بينما يبقى العقل كامل الوعي شاهداً على المأساة، هنا بدأت الملحمة الحقيقية، ملحمة لم تكن على أرض الملعب بل في مواجهة قدر لا يرحم، (سبع سنوات) كاملة، قضاها «الأباتشي» في معركة شريفة مع جسده المتعب، كان صامداً صابراً محتسباً في الأشهر الأخيرة تدهورت حالته بشكل متسارع وفقد القدرة على الحركة، بينما كان يتابعه الملايين بدموع لا تجف، كان مشهد جسده وهو يتآكل أمام أعيننا من أقسى ما يمكن أن تتحمله قلوب محبيه. الموت حق ولكن الرحيل بهذا الشكل يترك غصة لا تزول، رحل عبدالرحمن البيشي ليترك خلفه إرثاً من الفن الكروي القصير وإرثاً أسمى من الصبر في وجه البلاء. في جنازته بكى النصراويون، وبكى كل من عرف حكاية هذا المقاتل الذي حارب حتى آخر نفس، لم يبكوا فقط على لاعب قدير بل بكوا على إنسان علمهم كيف يكون الابتلاء مدرسة في الصمود. لمسه إنسانية من تركي بن سلمان وكانت أولى المبادرات الكريمة تجاه النجم الراحل من رجل الوفاء والسخاء رمز النصر الكبير الأمير تركي بن سلمان بن عبدالعزيز الذي بادر بلمسه إنسانية غير مستغربة من سليل المجد والنبل والشهامة بتكفل سموه الكريم براتب شهري لعائلة الفقيد عبدالرحمن البيشي وتأمين كافه احتياجاتهم ونواقصهم بعد وفاته.. كتب الله له اجرها اضعافاً مضاعفة وجعل ثواب ما قدمه سموه من احسان في موازين اعماله. أيقونة «الصبر والاحتساب». اختاره الاتحاد الدولي (الفيفا) ضمن أفضل 10 لاعبين شباب في العالم لقد علمنا النجم الراحل أن البطولة الحقيقية لا تكون فقط في الملاعب بل في صبر (سبع سنوات) على جسد يخفت شيئاً فشيئاً، بينما يبقى القلب نابضاً بالإيمان والرضا، مما كان يؤكد مدى قوة شخصيته وعمق إيمانه بالله تعالى وصدق تسليمه لقضاء الله وقدره. لقد كان -رحمه الله- مثالاً يحتذى به بصبره ورضاه التام رغم معاناته المرضية غير أنه أثبت للجميع أن (إيمان المؤمن) هو السند الحقيقي في أصعب لحظات الحياة وانكسارها، وهذه المشاعر النبيلة التي أظهرها طوال رحلته مع المرض تبرهن على سمو أخلاقه ونقاء سريرته وتجعل منه بالتالي (أيقونة في الصبر والاحتساب). وبالطبع رأه الجميع مقاتلاً شرساً على العشب الأخضر، لكن أعظم معاركه كانت صامتة على سرير المرض انتصر فيها بصبره قبل أن يغادر هذه الحياة الفانية تاركًا لأسرته ومحبيه درساً في الرضا والإيمان لا ينسى. زيارة تخفف وطأه الألم كما ورد في إحدى التغريدات التي كتبها بنفسه -رحمه الله- خلال رحلة علاجه، قال معبراً عن امتنانه: «تشرفت بزيارة الزملاء الأوفياء.. دائماً ما تخففون وطأة الألم وتمنحونني الطاقة الإيجابية لمواجهة المرض «شكراً لكم من القلب». يحضر مثقلاً بالتعب والمعاناة إنها كلمات تختصر كم كان يقدر الوفاء حتى في أصعب لحظاته، كان فقيدنا الغالي عبدالرحمن البيشي من الرياضيين الأوفياء بحق وحقيقة، كان مخلصاً وصاحب تفانٍ في ارتداء الشعار الأصفر، لاعباً بشهادة زملائه اللاعبين والإداريين الذين عاصروا تاريخه المشرف، وبعد اعتزاله (عنوة) وإصابته بالمرض لم يقعده من متابعة أخبار وأنشطة النادي، إذ كان يحضر لقاءاته مع نجله الصغير (راكان) وهو مثقل بالتعب والمعاناة هكذا كان -رحمه الله- نموذجاً للرياضي المثالي الذي يجسد صدق الولاء والانتماء الحقيقي للكيان. روحه الإيمانية جعلته «أيقونة في الصبر» ننتظر مبادرة تكريمية من النصر ولأن النجم الراحل الخلوق (عبدالرحمن البيشي) يستحق كل التقدير والوفاء من ناديه العريق النصر، نتمنى تخصيص دخل إحدى المباريات المحلية لصالح أسرته، كلفتة نبيلة ومبادرة جميلة من رجالاته.. تعكس قيمة الوفاء لنجم كان مثالاً للعطاء والوفاء لناديه حتى في أحلك ظروفه الصحية. رحل تاركاً سيرة عطرة لم يكن النجم الدولي الراحل (عبدالرحمن البيشي) نجماً فقط لأنه سجل أهدافاً، بل لأنه ترك في كل من عرفه أثرًا طيبًا، وحين يرحل الإنسان بسمعته الطيبة فهذا يعني أنه عاش مرتين: * الأولى حين كان نجمًا متألقًا في الملاعب الخضراء، يخطف الأنفاس بمراوغاته وأهدافه، ويفرح الجماهير بإبداعاته الكروية التي جعلت منه نجمًا محبوبًا في وجدانهم وذاكرتهم. * الثانية حين زرع في قلوب محبيه ذكرى طيبة وأثرًا جميلًا لا يموت عبر أخلاقه العالية وسيرته العطرة وصبره على البلاء الذي جعله قدوة في الإيمان والثبات والرضا تغمده الله بواسع رحمته. وداعاً أبا راكان وداعاً (أبا راكان)، وستبقى في ذاكرة الجميع بسمو أخلاقك وبنجوميتك وباختيارك ضمن أفضل نجوم العالم، وبصبرك الذي لم يهتز أمام أعتى الأمراض. الأمير تركي بن سلمان بن عبدالعزيز البيشي سجل هدفاً بالهلال في أول مباراة له مع فريق النصر الأول 2000م (أباتشي النصر) مكرماً من الرمز الأول الأمير عبدالرحمن بن سعود -رحمه الله- عام 2002م النجم الراحل ينقض على الكرة في إحدى مبارياته مع المنتخب أمام العراق 2004م عبدالرحمن لم ينقطع عن متابعة مباريات فريقه رغم معاناته المرضية وبجانبه نجله (راكان) النجم الراحل مؤدياً مناسك العمرة على كرسيه المتحرك -رحمه الله- عام 2021م مع اسطورة النصر ماجد عبدالله في زيارته له عام 2020م مع اسطورة الهلال محمد الشلهوب خلال زيارته له عام 2022م فهد الدوس